أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الاكتئاب والسيروتونين.. ما الحكاية الجديدة؟

أسعد النمر · القطيف اليومالسبت 30 يوليو 2022، 9:51 ص
الاكتئاب والسيروتونين.. ما الحكاية الجديدة؟

أجرى مونكريف وزملاؤه دراسة بعنوان "نظرية السيروتونين في الاكتئاب: مراجعة منهجية شاملة للأدلة" (أنظر الدراسة أدناه). فقاموا بمراجعة منهجية شاملة للأدلة المؤكدة على صحة فرضية أن الاكتئاب ناتج عن خلل في المكونات الكيميائية الدماغية، وخاصة السيروتونين (5-هيدروكسي تريبتامين) (5-Hydroxytryptamine or 5-HT). وقد سادت هذه النتيجة على نحو مؤثر لعقود من الزمن. ولذلك، درج الأطباء النفسيون على استخدام مضادات الاكتئاب التي تطورت صيدلانياً حتى ظهور مضادات الاكتئاب التي تسمى مثبّطات إعادة امتصاص السيروتونين الانتقائية المعروفة اختصارًا بـ(SSRI) Selective Serotonin Reuptake Inhibitor antidepressants والتي تعمل على منع أو تثبيط إعادة امتصاص الناقل العصبي السيروتونين على نحو محدد أو انتقائي (السيروتونين فقط) في المشابك العصبية، ومن أمثلة هذه المضادات سيتالوبرام (سيليكسا) Citalopram (Celexa)، وفلوكستين (بروزاك) Fluoxetine (Prozac).
اتبع مونكريف وزملاؤه منهجية المراجعة الشاملة لنتائج الدراسات السابقة حول العلاقة بين الاكتئاب والسيروتونين. إذ كانت الفرضية قائمة على أن السيروتونين هو السبب الكيميائي الحيوي الأبرز لحدوث الاكتئاب. وقد بُنيت ذلك إجراءات علاجية معينة (كعلاج الاكتئاب صيدلانياً في الطب النفسي). إلا أن مونكريف وزملاؤه راجعوا بطريقة شاملة هذه الأدلة أو النتائج التي توصل إليها باحثون سابقون أيّدت هذه الفرضية. وكانت هذه المراجعة منهجية لهذه الأدلة ثم أجري تحليلاً بعدياً Meta – analysis (طريقة إحصائية طُبقت للجمع بين نتائج عدد من الدراسات السابقة بشكل منظم للوصول لاستنتاجات حول طبيعة العلاقة بين السيروتونين والاكتئاب). وهذا النوع من المنهجية ليس معنياً بتلخيص الدراسات السابقة تماماً، بل بتطوير فهم جديد لمشكلة البحث باستخدام التفكير المنطقي. كما تفيد هذه الطريقة في تفادي العيوب المنهجية في الدراسات الفردية، كتلك المتعلقة بأدوات القياس، وتصميم البحوث، واختيار العينات. لذلك، هذه الطريقة تتبع نتائج الدراسات بما يعزز الموضوعية البحثية (الحد من تحيز الباحث إلى نحو معين) بهدف الوصول للمصداقية العلمية حول موضوع بحثي ما، كعلاقة الاكتئاب بالسيروتونين. ومن ثمّ لا بد من تجميع الدراسات ذات الصلة بموضوع البحث من بحوث مختلفة تنطبق عليها معايير محددة، كأن يتم اختيار الدراسات السابقة لمراجعتها بحسب فترة زمنية محددة (من عام 2015 – 2020 على سبيل المثال لا الحصر) وحجم العينة (تقارب أعداد أفراد العينات في الدراسات السابقة)، وتحديد المتغير أو المتغيرات (كعلاقة الاكتئاب بالسيروتونين). لهذا استطلع مونكريف وزملاؤه مواقع بحثية معينة (PubMed, EMBASE and PsycINFO) وفق المعايير التي حددها هؤلاء الباحثون. وخلال المراجعة الشاملة تم استبعاد الدراسات التي لا تنسجم مع المعايير المحددة ولا مع شروطها المنهجية الأخرى التي تتقيد بها. وما يتبقى من دراسات (عينة الدراسة) تُجرى عليها المراجعة المنهجية ثم التحليل البعدي للوصول لنتائج معينة ومن ثم مناقشتها.
وبعد مراجعة مستفيضة للدراسات المعتمدة في دراسة مونكريف وزملائه، توصلوا إلى نتيجة مفادها: لم تقدم الدراسات السابقة "دليلًا مقنعًا على وجود أساس كيميائي حيوي للاكتئاب" أو أن فرضية العلاقة بين الاكتئاب والسيروتونين غير صحيحة أو غير مؤكّدة أو ضعيفة الدلالة الإحصائية. لذلك، يرى هؤلاء الباحثون "أن الوقت قد حان للاعتراف بأن نظرية علاقة السيروتونين بالاكتئاب لم يتم إثباتها تجريبياً". هكذا فرضية استمرت لعقود واقتنع بها بصحتها كثيرون من ممارسي الطب النفسي. إلا أن ما توصل إليه مونكريف وزملاؤه في دراستهم قد ناقض صحة هذه الفرضية السائدة في الطب النفسي حول علاقة الاكتئاب بالسيروتونين. بل إن هذه النتيجة تشكك في علاج الاكتئاب عبر مضادات الاكتئاب المثبطة لإعادة امتصاص السيروتونين بشكل انتقائي. هذه النتيجة قد لا يتفق معها بعض الأطباء النفسيين أو يبدون تحفظهم عليها.
ما أعتقده أن التحفظ على نتيجة هذه الدراسة يقتضي نقد دراسة مونكريف وزملائه منهجياً وتبيان عوارها علمياً. علماً بأن المنهج المتبع في هذه الدراسة يُعد أكثر موضوعية (أقل تحيزاً). ويمكن القول بأن هذه الدراسة فعّالة إستراتيجياً في تحديد ثغرات أدبيات الدراسات العلمية الطب نفسية. وهي وسيلة جيدة لمراجعة الدراسات المنشورة حول طبيعة العلاقة بين الاكتئاب والسيروتونين خلال فترة زمنية محددة. وهذه الدراسة تولّد فرضيات جديدة وتسلط الضوء على المشكلات البحثية لدراسات مستقبلية.
نعم هذه الدراسة أثارت إشكالات جديدة تستحق المزيد من الدراسات. أولى هذه الإشكالات، كما أعتقد هي ضرورة سبر طبيعة المنظومات الكيميائية الحيوية الدماغية وعلاقتها بالسلوك. فلربما نتج الاكتئاب، كما نلاحظه سلوكيا، عن جملة متغيرات بيولوجية عصبية أخرى، من بينها السيروتونين. ولعلّ هناك حاجة للمزيد من الفهم لطبيعة التفاعلات الكيميائية الحيوية العصبية في ظروف بيئية مختلفة وملاحظة نتائجها السلوكية. أو فهم كيف تؤثر المتغيرات البيئية الاجتماعية في هذه التفاعلات العصبية. في الواقع، النواقل العصبية بمثابة عمليات عصبية كيميائية تتغير وفق حاجة الإنسان للتكيف السيكولوجي مع محيطه. لذلك، من المهم فهم الإيقاعات السيكولوجية المعرفية لا باعتبارها تغيرات مستقلة عن النظام العصبي العام، بل هي امتداد له على نحو ما. إلا أن ما يمكن قوله هو أن الفلسفة الطبية بشكل عام قائمة على معرفة آليات الجسم لفهم المرض بما في ذلك "الأمراض" النفسية، كالاكتئاب. إن ما يحدث في الدماغ من تغيرات عصبية تُحدث اضطراباً وجدانياً، كالاكتئاب، ليس نتيجة مباشرة حتمية لهذه التغيرات. هذه التغيرات قد تحدث نتيجة لخاصيات أخرى نسميها نشاطات الذهن، كالأفكار، والذكريات، والتوقعات. فهناك جدلية بين العقل والدماغ تحدث باستمرار على نحو ما. لهذا فما يحتاجه الطبيب النفسي -من وجهة نظري- هو إدارة الاضطراب النفسي في سياق الصلة بين الخاصيات العقلية والأدمغة والبيئة باعتبارها مصدر المثيرات في الأساس.
Moncrieff, J., Cooper, R. E., Stockmann, T., Amendola, S., Hengartner, M. P., & Horowitz, M. A. (2022). The serotonin theory of depression: a systematic umbrella review of the evidence. Molecular Psychiatry, 1-14.‏