أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

جغرافية التاريخ .. حَدَثٌ وحَدِيتٌ "23"

عبدالله أمان · القطيف اليومالأحد 7 أغسطس 2022، 8:00 ص
جغرافية التاريخ .. حَدَثٌ وحَدِيتٌ "23"

لَعَلَّ المُتتبِّع المُتأَمِّل لِصفحَات "نَقاوَة وغَباشَة" مُتون التاريخ السالِف المُنصَرم بمَنبعَيه المَذكورين، يَرى ويُِدرِك تِباعًا، بحَاستِه "السادِسة" الشاطِحة، أَنَّ سِلسِلة الأَحداث العالمية المُداهِمة، قد أَخذَت بُعدًا، ونَهجًا، ومَنهجًا وَثائقِيًا مُمنهجًا، على مُتسَعِ أُطُر صِهَاء صَفحات مَسرح الجُغرافيا المُتعددَة الوُجوه؛ والمُتنوعَة أَقنعةِ المَشارِب… فَهُناك الصَفحة الجُغرافية الطبيعية النقية، المُحددة، على ضِفاف خَارِطة الواقِع، بتَمام وكَمال حُدودِها المَكانية الآمِنة؛ تَتبعُها سِلسِلة أَخواتِها: السياسة والاقتصادية والفلكِية… والمُؤطرَة المَرسُومَة برِمَّة أُصُول عُقودِها الزمانية الهاجِعة، المُحددَة المَواقع؛ والمَعروفَة الأَمصَار والأَصقَاع؛ لَتهُبَّ فَوق قِمم رُؤوسِها المُتعرِّية، عُنوَةً وغَلَبةً عَصف الرِيَاح المُحمَّلة بأَشد، وأَفتك، وأَقسى السَّمُوم الجُغرافية التاريخية، المُشوِّهَة المُشْبعة بفُصُول هُبوبِها، اتقاءً مِن بَطشٍ وسَحقٍ مُزلْزِلَين مُدمِّرَين وَسط زَخمِ رُكَام مَن السحَائب المُمطَرة، بشآبيبِ القَطر الساقِطة؛ والمُعفَّرة بأَصنافِ حُطام السَُمُوم المَدسُوسَة في جَعبة رِائق العَسل المُصفى … لِتَحجُبَ وتُشِّوه نَقاء وصَفاء ذَائقة صَفحة مَتن التاريخ؛ وتُرْبِي، عَمدًا، قَتامةً، وغَباشةً بُنوده الناصعة؛ وتَزيده غَبَرةً مُمنهجةً قائمَة شَاخِصَة، تكاد تَخنِق سَائرَ حِجاب سِترها المُصطَنع؛ وتُعكِّر صَفو مُحتوى إِكسيرِها النوعِي الرائق؛ رَغبةً مَنقُوشَة مُبيَّتَةً في سّريرَة دَاخِلة النفس البشرية؛ لإخفاء واقع مَصل الحَقائق الدامِغة، ووَأْد أَصل صِدق الوَقَائع الفاضِحة، بَعد كَتم وحَبس أُنُوف الأَنفاس الساخِنة، وإِتباعِها قَسوَة بإِحثاء رَبوة مِن أَطنانٍ مِن حَصباء رُكام التراب الكاتِم!
ومِمَّا أستظهِره وأَتذكرَه، بشَفافِية وأَريحِية… عِندما كُنت أَدرِس "كوسًا" اختياريًا في مَادة "التاريخ الأمريكي" قُبيل مُنتصف العَقد الثامِن، مِن القرن المُنصرِم، بجامعة "نوث تكساس" الأَمريكية… وكان المُحاضِر الشاب الأَمريكي حَاضِر البديهة، واعِيًا، ناقِدًا لجُملة الأَحداث، ولَفِيف المُلابَسات التاريخية، التي لَمَّعَت وصَقَلَت وَجه صَفحات ومُتون التاريخ الأَمريكي، بأَوسِمةٍ "مُزيَّفةٍ" مُبهرجَةٍ؛ مُخرجَةٍ بإِعادَة ترمِيمِ مُفتعَلةٍ مُزورَةٍ لِسوِية مَظهر، حَقيقة جَوهَر سِيَر الأَحداث التاريخية، التي شَكلت، ووَحدَت شَمل الولايات المُستوطَنة المُتناثِرة؛ ولَملَمَت نَواة شَعثِها، وبِناء قَوام كساد اقتصادِها المريض آنذاك، إبَّان التحرر مِن سَيطرة فَرض الرسُوم البريطانية الباهِظة، على سَائر جُموع السكان القاطِنين، والمُستوطِنين القادِمين آنذاك... ولَا أَكادُ أَنسى نَزعَة وغَيرَة المُحاضِر النشِط الحَاضِرتَين، في سَوية دَاخِلة نَفسِه المُحايدَة، والمُمتلئتين مَعًا، برُوح الحَماسة، التي غَمرته، مِن أَعلى رَأْسِه، إلى أَخمص قَدمِه، وأريحِية الشهامَة المُماثلة؛ لتصحِيح سَرد المعلومات التاريخية المَاثلة فِي مَسارِ مَتنِ الكتاب المُقرر… خَاصةً بَعد نِهاية المُحاضَرة الرئيسة، أَراه يُستثَار نَشاطًا ذَاتيًا مَلحُوظًا؛ ويَقوم بغلق باب الفصل الدراسي؛ ليواجه الطلبة والطالبات، بمَنظُومة نَقدِه لسِلسِلة مِن المعلومات المُلمَّعة والمُعدَّلة، في صِهاء الصَفحات المُسطرَة فِي كِتاب التاريخ المُقرر، بادِئًا حَماسَته الناقِدة التصحِيحِية، بسَيلٍ هّادرٍ مُضادٍ "مُفعَم مُفحِم" بحَقيبة حُبلى مِن الحَقائق، بين ظَهرانيه، بنُسخِها الأَصلية، التي جَرت على مَسرح تاريخ قَارة أَمريكا الولِيدة، وفَوق مُتسع مَناضدَ ومَراقي مَنابِر جُغرافِيتها المُترامِية الأَطراف، خَاصة فيما يَتعلق بمُسَلسَلة إبادَة وسَحق "الهُنود الحُمر" السكان الأصليون؛ لَحِقتها مَشاكِل العُنصرية للأَفارِقة السود؛ وسَن قوانين العُبودِية والرِّق، مَا بين المُعارِض والمُؤيِّد… وسِيناريُوهَات مُلابَسات الحَرب الأَهلية الداخلية الدامية، بين الولايات الشمالية والجنوبية… ولحُسن حَظ الدارسِين أَنَّ صِيغ الاختبارات الفصلية وَقتئذٍ، لمادَة التاريخ ذاتِها، لا تَحتوِي على أسئلة "الصحِ أَمْ الخطأ" أَو "اختيارِ الصح مِن مُمَوِّهات الإِجابات المُتعددَة"… بل اقتصرت على صِيغ الأَسئلة، على أُسلُوب المَقالة، وكِتابة المُذكرات التاريخية؛ لإِعطاءِ ومَنحِ الدارسين مَساحَة حُرة، تَقيس مَدى فَهمهِم العام، ومُتابعتهِم الإِجمالية لسلاسِل الأَحداث التاريخية المُتعاقِبة، بشكلٍ استظهاري شَامل.
هذا، و يَحِق لَنا، نَحنُ مَعشر المُسلمين، أَنْ نَفخَر؛ ونَعتَز مِرارًا؛ ونتَّعِض تَكرارًا؛ ونّعتَبِر رَدَحًا بذِكرِ، وسَردِ، وعَرض سِيَر ومَسِيرات الأَحداث القَصصِية التاريخية المُوثقة، التي حَدثنا عنها القران المجيد؛ وشَهِدَت مُخرجاتها أَقوامًا وأْمَمًا، سَادت ثُم بَادت، على مَدارج أَعتاب التاريخ المُنصرِم؛ وجَرت أَحداثها على ثرى أَمصَار وأَصقَاع الجفرافيا؛ لِشعوبٍ انتشر فَيؤها الكثِير، ثم بَاد أَثرُها القصِير؛ باستحقاق صَرعات وصَيحات أَصوات العذاب الصاعِقة؛ لتكذِيبهم رِسَالات أَنبيائهم؛ وإِعلانِهم لِرايَات الكُفر والإِلحاد، ومَسالِك والانحراف؛ واتِّباعِهم لمُردِيات الهَوى، ومَزالِق الضلال؛ وسَعيَهم المُتمادِي السقيم في خَوضِ مَلذاتِ ومُتَعِ الطغيَان الساحِبة، التي جَلبت إلى سُوح دِيارِهم المُشَيَّدة مَهالك المَقت، البَاعِثة على مَغبة أَنماط فَسادِهم المُتنامي؛ مِمَّا أَدى إِلى انصباب عَواقِب المَسخ، وانسكاب خَواتيم القُبح المَحسُومة بنِهايَة النفي، والاجتثاث الحاسِم مِن الأَرض… !
وفي حَاضر عُقود حَياتنا الراهنة المُعاشة، لَم تَنتَه فُصُول مُسلسَلات التزوِير، وحَبكات التلمِيع؛ ولم تَتوقَّف تِباعًا، فُلول "المُرتزَقة" المُستأْجرَة وَراء "فَبركة ومُونتاج" التلفيق، باستخدام وتَوظيف أَحدَث وأَعتَى وَسائل ورَوابط التواصُل الاجتماعي المؤيدة بتَرسَانتها الإِعلامية الرقمِية المُوجَّهة؛ لغسِيل عُقول وسُلوكِيات الشباب؛ وإِحدَاث تغييرات نَمطِية، مَرسُومَة ومَدرُوسَة، في ظِل نَفرَة أطيافِ العَولمة الساحِبة الهائجّة المائجّة، بحدِّ سلاحٍ حَازمٍ حَاسمٍ، ومُخترقٍ نافذٍ للحُدود والتخُوم الجغرافية؛ ورُبما دُون استأذانٍ مُحتشَم؛ أو فَرضِ رُسومٍ مُاليةٍ؛ لتُقارع بسُمومِها عُقول الشباب؛ وتُعارِك بإغراءاتِها وَثبات الإِقدام؛ وتُعزز وتُصلِّب- بكبسُولاتها المُقننَة- مَناعة أَصناف ومُتحَورات "الغزو" الثقافي المُنفلِتة بتَيهٍ فاضِحٍ، بصِيغِ مُصطلحاتٍ العولمة البراقة المُتجددَة؛ وتتحَدى- في رَبيع مَراقِي- الضفة المُشرِقة الأُخرى، المُمهدَة القَريبَة مِن عُقول ومُيول الشباب؛ والمُعدَّة لإِضعَاف أقوى إِفرازات "مُضاداتهم الحَيوية" المُستهدَفة؛ لاستِحدَاث واستِحثَات نِتاج سُلوكٍ نَمطِيٍ مُهجَّنٍ مُستهجَنٍ، يَنال جَليل استحسانٍ؛ ويَلقى عَظيم قَبُولٍ، بين صُفوف النشء، تَحت أَجنِحة التمدُّن الساحِبة، وأَمَام مُفرقِعات التحضُّر المُدِّوية!
وهُناك، في عُقر دُور مَدارِج ومَنابِع مُجتمعات العولمة العَريضة، تَشهَد اليوم، في تَتراجَع مَشهُود مُخرجَاتِها المُتناقِضَة كَمًا وكَيفًا؛ وتَفُوحُ صُفرةُ رِياحِها النَّتِنة على مَسارِح خِضم الحياة الاجتماعية قَاطِبةً… لتُرُصَد رُؤوس الأَموال؛ وتُستَهل الدراسَات لاحِقًا؛ وتُخَصَّص المِيزانيات الدسِمة؛ وتُؤسَّس مُكاتب ووِكالات الأَبحاث الضخمة تِباعًا؛ لِتصحِيح وترمِيم اعوِجَاج مَا يُمكن تَقويمُه وتَرمِيمُه، وتَعدِيلُه، مِمَّا انضَوى، وتَمزَّق، وذَبُل، مِن سَقط أخلاقِيات، وفُجُور سُلوكِيات فُلول وصُفوف فِئة اليافِعين مِن الشبان والشابات هُناك، الذين هُم في واجِهة بّوابة مَرمَى هَدف البناء؛ وفي قَرارَة مُرتكز أَساس المُستقبل، وزَهو بُنيانِه السامِق المُرتقب… ولَعل شَرَر أعوَاد ثِقاب العِظة، وشَذَر وُقود أعيِرَة العِبرة، تكُون حَاضرةً ومُتصدِّرةً، في عُموم مَسالكِ، ومُنافذِ، وحُدودِ، وتُخومِ، وثُغورِ، ورُبوعِ بُلداننا النامِية... وفي فُسَحِ رَحَابة ذَلك السعي الصادق، وفَسَاحة دَرُوب المَسعَى الدؤوب، فَليتَنافَس المُتنافِسُون!