الرمُوز الثقافِية المحَايِدةُ

الرموز تملأُ حياة البشر، فتؤثر فيهم سلبًا أو إيجابًا، إذ نماذج الخير كثيرة، ونماذج الشر كثيرة، وبين الخير والشر؛ ثمة نماذج محايدة، تقع بين بين، لا تنتمي إلى الخير أو الشر، تعدُّ من أكثر النماذج التي تستحوذ على الإنسان، وتجذبه ناحيتها؛ حيث تُغريه، وتُزيِّن له الواقع؛ حتَّى يستمر فيما يقوم به، ويمارسه من قول أو فعل.
من نماذج الخير؛ الأبطالُ الخارقون، ممن امتهنوا مساعدة الضعفاء، والعطف على الفقراء؛ كـ"عروة بن الورد"، الصعلوك الجاهلي، الذي يسرقُ من الأغنياء، ثم يُوزِّع ما سرق على الفقراء، فعل مزدوج؛ ظاهره الشر وباطنه الخير، مما يجعل المرء يحتار حينما يتمثَّلُه، ويرغب في أن يفعل كما فعل.
"عروة" ليسَ الوحيدَ في تضادِّه وتناقضِه، فغالبية النماذج المحايدة تنتمي إلى المنطقة الرمادية؛ حيث صعبٌ جدًّا التفريق لديهم بين الخير والشر، ليُترك الأمر في النهايةِ إلى المتلقي، الذي تصله أخبارهم، في هيئة سِير وأفكار ومنقولات، يختار منها ما يلائم حياته، ويناسب ذوقه، وطموحه، ورغبته.
ليس بعيدًا عن عُروة ما تناقلته الأخبار عن "أبي الطيب المتنبي"، إذ ضمَّ إلى جانب براعته الشعرية العالية؛ جُبنَه وبُخلَه، حتى بات مثالًا على العربي، الذي جمعَ أكثرَ صفتين مذمُومتين خُلقيًّا، ليصبح بذلك المتلقي أمام مشكلة في استقبال نموذجِه؛ حيث سيعجزُ عن فصل الشعرية عن البخل والجبن، فحينما يبدأ في استلهامه، والتَّمثُّل بسلوكياته وأقواله، لا يقتطع جزءًا دون آخر، بل يأخذُه جميعًا، ودون حواجز وحدود.
ما يصدقُ على مثال المتنبي؛ يصدق على غيره من النماذج، فـ"قيس بن الملوح"، أو "مجنون ليلى" كما هي شهرته في الأدب العربي؛ يُعد أحدَ الأمثلة البارزة على الحب العذري العفيف، حيث ظلَّ على حبِّه، على الرغم من تغيُّر الظروف، فلم تُفارق صورةُ ليلى مخيلتَه، إلى أن مات بين الوحوش والسباع في الصحراء، بينما كان يهيمُ على وجهه لا يدري أين يتجه! فإضافة إلى حبه العذري؛ برزت لديه صفة الجنون، أو اللا عقل.
النماذج المحايدة؛ تتحكم في حياة الإنسان، وتُؤثِّر فيها، دون أن يعي، فالثقافةُ تضع حيلًا متعددة لتمريرها؛ وذلك عبر تغليفها ضمن سرديات جميلة، تحفِّزُ الإنسان لقراءتها، أو استماعها، مع إلهابها لعاطفته ومشاعره، إلى أن يغدو في النهاية أسيرًا لها، لا يتمكن من رفض استقبالها، والتَّأثُّر بها، حتى وإن أراد، فقصصُ الأبطال والخارقين، أو قصصُ المحبين، أو الباحثين عن تحقيق ذواتهم عبر الحصول على الكنوز والثراء، أو الوصول إلى غاياتهم كالتحرر من العبودية، أو الزواج بمن يحبون، إنما هي أمثلة على نماذج إنسانية؛ يتعلَّق بها المرء، وينظر ناحيتها بتقدير واحترام.
نظرة التقدير والاحترام إلى النماذج، ترتقي بها إلى مرتبة الرموز العليا؛ يتأثَّر بها المرء، ويطيعها مغمض العينين، متخذًا من سلوكياتها وكلماتها مثالًا يستلهمه، وعلى أساسه ينظِّم أفكارَه، وأولوياتِه، ومبادئَه، واتجاهاتِه؛ إلى أن تغدو عادة اجتماعية، وعبادة من عبادات الحياة، التي تختلف عن العبادات الدينية، في كونها لا تفرِّق بين الجيد وغير الجيد، مما يدفعه إلى الأخذ دون تمييز، وهو الأمر الذي يرفضهُ الدين.
في داخل كل إنسان رموزٌ محايدة؛ يستقيها من تاريخه، وثقافته، أو من تاريخ وثقافات الأمم والشعوب التي اتَّصل بها، أو قد يأخذها من واقعه القريب؛ إمَّا عبر السماع عنها، أو مشاهدتها مشاهدة مباشرة، حين تكثر حولها الأحاديث، وتتعدد الروايات والأخبار، ويتكرر منها إصدار الأفعال والأقوال، إذ شرطُ النموذج، كي يتجاوز مرحلتَه، ويستقرَّ كرمزٍ في وجدان أبناء الثقافة؛ يتمثَّل في اشتماله على سمتين، هما: التكرار والاستمرار.
نماذج الشر ونماذج الخير، أو نموذج الطالح والصالح؛ ثنائية تتوفر في كل مجتمع من المجتمعات، فالإنسان الذي يصبح رمزًا من الرموز، لا يخلو إن كان طالحًا من حسنات وأمور صالحة، مثلما لا يخلو إن كان صالحًا من سيئات وأمور طالحة، إذ الأمرانِ يجتمعان في الإنسان، ولا يمكن بحال من الأحوال الفصلُ بينهما، مهما اجتهد المجتهدون في محاولة تنقيتهم، والتبرير لأفعالهم وأقوالهم، أمَّا السبب، فيتمثل في أن المزيج من الشر والخير موجود داخلَ كل إنسان، وإن بنسب متفاوتة، فشخص يقمعه، وآخر يرخي له العنانَ ويطلقه.
الذين يستلهمون النماذج، ويتأثرون بالرموز، إنما يتعرَّضون للإغراء من قِبلها، فلا يستطيعون إمساك أنفسهم عن متابعتها؛ لأنها تملأُ فراغاتٍ، داخلَ أرواحهم؛ لا يستطيعون ملأَها بأنفسهم، إذ عملُ الرموز والنماذج؛ مساعدتُهم، والأخذُ بيدِهم، ووضعِهم على الطريق.



