سيرة طالب (٢٨)

القدوة الحسنة
أيام كنّا نسكن في شقة الطلبة غير المتزوجين بحيّ السيّدة زينب (ع) تمرّ بنا مواقف طريفة طُبعت في أذهاننا، وما نزال نتذكرها بين وقت وآخر، تلكم المواقف تحدث عادة عندما يكون هناك تجمع للطلبة في مباحثات الدروس والرحلات الترفيهية.
لا بُدّ من مُلْهِم
واحدة من تلكم الذكريات، تلك التي ضمّت خمسة أشخاص، حيث كنّا نحتسي المشروب المفضّل "الشّاي"، فاقترحتُ في تلك الجلسة أن يذكر كلّ واحد منّا شخصية بارزة يعدّها قدوة حسنة وعظيمة، ويتمنّى أن يصل إلى مقام تلك القدوة أو يحوز شيئاً من صفاتها.
استجاب الجميع لمقترحي، فبدأ أول شخص والثاني والثالث، في ذكر شخصياتهم القدوة، حتى جاء دوري، فقلت لهم: إنّ هناك شخصيتين أعتبرهما مثالاً في حياتي كلّها، الحاضرة والمستقبلية، بل هما حاضرتان في ذهني حتى في حال كتابتي للبحوث والدروس، وكذلك أيضاً إذا تعاملت مع الناس، أتذكّرهما، هما: الإمام علي بن أبي طالب (ع)، والسيّد محمد باقر الصّدر (ره).
ثم جاء دور السيّد حسن الخضراوي (من طلبة القديح البارزين في العلم والأخلاق) وقال: أنا سأذكر شخصية بارزة عندي، والمفروض ألّا تضحكوا أو تسخروا منّي، فأنا والله جادّ غير هازل، قدوتي هو: الشيخ علي الفرج.
فضحكنا كلّنا، ثم قلت له ضاحكاً: اتّخذ لك قدوة غيري؛ لئلّا تفشل في حياتك.
أقول:
إنّ السيّد حسن هو قدوتنا في أخلاقه وتعامله مع الناس وأريحيته، نعم كان في أيام دراسته يعتبرني مدرّساً.
ويا للمفارقة العجيبة! إذ كيف نضع هذا السيد الجليل في مقابل شخص كنت أدرّسه أيضاً في تلك الأيام، ولكن حصل بيني وبينه خلاف شخصي، وأردت ذات يوم زيارته في بيته، فلما طرقت الباب، كلّمني وهو يهمّ بإغلاق الباب يسألني: نعم، ماذا تريد؟ فأجبته: أزورك.
فقال: لا يوجد عندي وقت، معذرة!.
شتّان بين أخلاق وسجايا مثل هذا التلميذ، وتلميذ آخر كالسيّد الخضراوي!
السيّد الخبّاز
العلامة السيّد سعيد الخباز، شخصية رائعة في الأخلاق، وقمة التواضع، وسمعت منه يقول مكرّراً: إنّني إنّما عملت عملاً دينيًّا واجتماعيًّا في بلدة القديح استجابة لأمر السيّد الشهيد محمد باقر الصدر (ره).
ولتعلم، أيّها القارئ، أنّ القديح كانت خالية من طلاب العلم فترة ليست قليلة، وكان هذا بعد وفاة الشيخ حسين القديحي، ولما درس مجموعة من أبناء القديح دراسة دينية وقاموا بنشاط اجتماعي، سافر السيّد سعيد الخبّاز إلى سورية للدراسة، وكان منزله القريب من حرم السيّدة زينب (ع) عامراً أيام العطل بالخصوص، فأهل القديح يعتبرون زيارة السيّد سعيد واجباً أخلاقيًّا لا بُدّ منه، كأنّما في هذا الحيّ مزاران، مزار السيّدة زينب (ع)، وبيت السيّد سعيد الخباز.
الجماعة الأولى إماماً
في مجلس السيّد سعيد الخباز حضر ذات يوم أكثر من خمسين شخصاً، وقد جاء وقت صلاة المغرب، ولم يأتِ العلامة السيّد علي مكي العاملي المواظب على الحضور كلّ يوم من أيام العطل، فدعاني السيّد سعيد لأكون الإمام في الصلاة، وأنا رافض؛ لأنّي أخجل في أول مرّة أصلّي بالجماعة إماماً، وأدخلني في غرفة وحدي، وقال لي (وملامح الغضب بادية على وجهه): *آمرك أن تصلّيَ بالناس جماعة!*
لم يكن لي مجال سوى تنفيذ أمره، وكانت أول صلاة جماعة أصلّيها في بيت السيّد سعيد الخباز.
إنّ أفضال وبركات السيّد الخبّاز على كثير من طلبة العلوم الدينية، لا تُنكر، ويكفي مثالاً بارزاً استضافته للطلبة غير المتزوجين (كنّا ستة أشخاص)، في كلّ ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك لتناول الإفطار، بكرمه الفائض، وسخاء زوجته الكبير.
تواضع، تكن كالنّجم
كان السيّد سعيد الخباز كثيراً ما يودّع أصدقاءه في مكان الحافلات التي تقلّ المسافرين إلى بلادهم، احتراماً وتقديراً لهم، ومن ضمن هؤلاء العوائل أنسابنا؛ احتراماً لنا.
فعندما جاء وقت سفر عائلة الخالة من حيّ السيدة زينب (ع) إلى بلدتهم القديح، شرعوا في حزم أمتعتهم استعداداً لنقلها إلى الحافلة.
في تلك الأثناء، حضرت أنا والسيّد الخبّاز، وإذا بالخالة تخاطب السيّد (دون علمٍ منها بأنّ المخاطب هو السيّد):
"رجّال.. تعال شيل الشّنطة وحمّلها في داخل الباص".
عندما شهدت الموقف ذهبت مسرعاً إلى السيّد، وقلت له: أستغفر الله! أنا آخذ الشّنط.
إلّا أنّ السيّد أصرّ على نقل الشّنط إلى داخل الباص ووضعها في مكانها، ثم قال للخالة: *بالخدمة، تحتاجي شي؟*
قالت: لا .. أحسنت.
ولمّا نزل السيّد من الحافلة، عرّف خالتي بأنّ الرجل الذي حمّل الشّنط هو السيّد سعيد، وأنا متأكّد أنّها لم تعرفه.
فقالت (متأسّفة): ما عرفته، والله يعلم، إنا لله وإنا إليه راجعون!
صنيع السيّد الجميل مع خالتي، ومع غيرها من الناس، لتقديم أيّ خدمة تكون بوسعه، دليل على تواضعه الرّفيع الذي يُعلي به الله شأنه بين الناس، ولا أحسبه إلّا متمثّلاً لما روي عن الإمام الحسين عليه السلام:
"حوائج النّاس إليكم، من نِعَمِ الله عليكم، فلا تملّوها، فتتحوّل إلى غيركم" [بحار الأنوار، ج78 ص127].
وحتى اليوم كلما التقيت سماحة السيّد نضحك على ذلك الموقف، ويقول لي: سلّم على خالتك.




