تقلبات المشاعر

قد تعصف بالإنسان بعض التقلبات المزاجية بين ساعات أيامه. تتقلب تبعها أموره، من راحة وهناء إلى شدة وشقاء حتى يظن أنه لا مخرج من دوامة الحياة.
يعاني الجميع من تقلبات المزاج والمشاكل التي تحدث على أثرها. والأكثر عرضة لهذه التقلبات هي فئة الإناث. فكثيرٌ من النساء قد يشعرن بتقلبات في المشاعر وتعكر في المزاج وبالضيق والكآبة والملل والخمول وكثرة الحزن والرغبة في البكاء بين الحين والآخر وقد يصلن أيضًا لنوبات الغضب ومن ثم الوقوع في الخلافات والمشاحنات. تحدث على أثرها العديد من المشاكل التي تخل من الاستقرار والتوازن.
وكل ذلك يعود لاضطراب الهرمونات الأنثوية فيؤثر بشكل كبير على الحالة النفسية والجسدية لديها. وبعضهن قد تنتشلهن من هذه المشاعر من هم حولهن من ذوي العقل والحكمه. وبعضهن قد تفترسهن هذه التقلبات وتسيطر عليهن، وبالتالي تجعل من كل من هن امرأة ضعيفة مسلوبة من روح الحيوية والنشاط، واقعة في دوامة مشاكل الحياة. فتتلاطم بها أمواجها وهي لا تدرك أسباب ذلك.
إن الله عز وجل يخاطب السيدة مريم حينما التجأت إليه في شدتها وضعفها حيث تمنت أنها نسيًا منسيًا حيث قال جل وعلا: {فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)} عندما بدأت لحظات تلاطم أمواج حياة السيدة مريم، ودفعها ألم الولادة الشديد الذي هاج فيها إلى ترك الأماكن المعمورة والتوجه إلى الصحارى الخالية من البشر، والقاحلة التي لا عشب فيها ولا ماء ولا مأوى.
ومع أن النساء يلجأن عادة في مثل هذه الحالة إلى المعارف والأصدقاء ليساعدوهن على الولادة، إلا أن وضع السيدة مريم كان استثنائيًا، ولم تكن تريد أن يرى أحد وضع حملها مطلقًا، فإنها اتخذت طريق الصحراء بمجرد أن بدأ ألم الولادة ويقول القرآن في ذلك: {فأجاءها المخاض إلى جذع نخلة} والجذع يعني بدن الشجرة اليابس،
في هذه الحال غمر كل وجود مريم الطاهر سيل من الغم والحزن، وأحست أن اللحظة التي كانت تخشاها قد حانت، وسيتجه نحوها سيل سهام الاتهام التي سيرشقها بها الناس.
لقد كان هذا الاضطراب والصراع صعبًا جدًا، وقد أثقل كاهلها إلى الحد الذي تكلمت فيه بلا إرادة وقالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًا.
إن من البديهي أن الخوف من التهم في المستقبل لم يكن الشيء الوحيد الذي كان يعصر قلب مريم ويقلقها، وإن كان هذا الموضوع يشغل تفكيرها أكثر من أية مسألة أخرى، إلا أن مشاكل ومصائب أخرى كوضع الحمل وحدها دون قابلة وصديق ومعين في الصحارى الخالية، وعدم وجود مكان للاستراحة، وعدم وجود الماء للشرب، والطعام للأكل، وعدم وجود وسيلة لحفظ المولود الجديد، وغير هذه الأمور كانت تهزّها من الأعماق بشدة.
إلا أنها عندما لجأت إلى الله سبحانه وتعالى، جاءها الغوث والنداء منه (عز وجل) طالبًا منها في تلك اللحظات العصيبة أن هزي إليك بجدع النخلة التي يصعب حتى على الرجل القوي البنية أن يحركه دون أي أدوات مساعدة
فالله عز وجل يوجه الخطاب للنساء كافة وليس فقط للسيدة مريم بأن هزي جذع القوة والثبات والشموخ والصبر والتحمل يساقط عليك أجمل وألذ النتائج فإنك تمتلكين طاقات خفية أودعها الله فيك بإمكانك إظهارها لتواجهي تلك المشاكل والتقلبات الوقتية بكل قوة وثبات وشجاعة وتحمل، دون أن تخسري استقرارك واتزانك ونشاطك. فلا تجعلي تلك المشاعر تصرعك وتتمكن منك. فلكل إنسان قوى داخلية ينبغي عليه اكتشافها وتنميتها ورعايتها بالعمل والعلم والمعرفة والحكمة والحلم والصبر. فهي لا تظهر إلا في وقت الشدة والحاجة.
وأعلمي أن كل ما تمرين به هو مجرد تقلبات مشاعر تزول مع الوقت والحلم والحكمة في التصرف.



