أمي من فريق الأطرش «39»

تقودنا أرجلنا إلى أمكنة محببة للبطون، نصل إليها حتى لو أغمضنا العيون،
طرقات إيقاعية ترشدنا، والرائحة تجذبنا إلى حيث الجلوس والانتظار.
نتجاذب أطراف القيل والقال وكثرة السؤال، وتستولي علينا أحاديث متواترة عن الأسلاف من لدن رجل ضرير، نعجب به لفراسته في معرفة الأنساب، يحيرنا متاهة بلغز (غطو) أكبر من مستوى إدراكنا، لكنه يجاوبنا حينما نقول له عجزًا "گاگ" ويردفها بكلمة تدر علينا الضحك.
أنفاس الجالسين تتنوع بتحدي ألغاز رياضية، لكن لا يستقر لها المقام، ننجذب بسماع (خراريف لول) نتبارى في سردها، يتلو علينا "مهدي المسيري" قصة "انتيف انتيفان"، وبدوري أقص عليهم قصصًا سمعتها من أمي، "عين زيد عين جارية "، "اسفوف ذبحته مرة أبوه"، نعيد القصة ونأتي بأخرى ولا نمل، بالكلام الموسع خيالًا نطوي مسافات انتظار أدوارنا وكأننا غادرنا المكان الشبيه بالمقهى لاحتوائه على الكبار والصغار، كم هيمن علينا الصمت إذا فتح لنا عجوز طاعن في السن محدودب الظهر حكايات الأولين، نهيم حلمًا ولا نستفيق إلا حين ينادينا جعفر الخباز "هذه الخبز لك يا ولدي"، بعض الأحيان يحدث جدل
بين الأصحاب أو بعض الشباب (يا علي بن أحمد: هذا دوري، لا تبديه علينا أنا قبله)، يحدث التنازل بشكل وبآخر، بفضل بركات الشهر الفضيل، تطمينات تسري في النفوس بأن الكل سوف يأخذ نصيبه من الخبز، أحيانًا إذا دخل علينا شخص متأخر وقبل أن يلقي سلامه، تأتيه إشارة من الخباز بضرب كفه بعضهما ببعض بعد أن ترك "المحوار" لثوان، حركة من يديه مفادها بأن كمية العجين تكفي فقط للمنتظرين.
مرات إذا أتينا إلى خباز ورأيناه مزدحمًا بالناس، فالخيارات مفتوحة، نتوجه في البدء
لمخبز الحاج (عيسى القطري) لأنه الوحيد الذي بابه مواجه مباشرة قصر تاروت وعلى مقربة خطوات من "عين العودة"، ويعد ضمن منازل الديرة وكثيرًا ما تقصده النسوة، نطل عليه ونحسب عدد المنتظرين في الداخل والخارج ، إذا ألفيناه مزدحمًا سحبنا أرجلنا إلى فضاء السوق، بصحبة الأصدقاء وبعض الجيران والأقارب.
نصل إلى الخباز "أبو حسين قيس"، وبالجوار منه مخبز "جعفر وأخيه على بن أحمد الخباز"، نتجادل بأن لا مكان لنا جلوسًا في المخبزين، نشيح بوجوهنا ونذهب إلى دكان "عباس الخباز" غرب عين "هرهر"، أو محل "حسن علي الخباز" الملاصق للحداد أبو عبد، نظرة خاطفة وإذا لم يعجبنا لا هذا ولا ذاك نقترب من دكان "أحمد الخباز" شمال قهوة العقيلي، وإذا أعيانا التعب ذهبنا مجبرين إلى الدشة "مخبز غنام ".
مرات نطوف جريًا على الخبازين كلهم ونعاود الكرة والأقل عددًا نجلس عنده.
حينما يأتي دورنا يتملكنا الفرح، نأخذ الخبز بعد طول انتظار، راجعين للبيت تلسعنا حرارته المحببة، فنتناوب حمله بين راحة أيدينا، ما أجمل رائحته، نفاذة تتسلل لخياشيمنا، ومنظره
يستفز الجوع.
نباشر تقطيعه داخل "الطاسات"، ثم نسكب عليه مرق اللحم بالخضار حتى يتشبع، بخار الطهي يتصاعد، على وقع أذان المغرب، نهيم تناولًا مع عصر قطرات الليمون البلدي الأخضر.
وجبة تتكرر مع كل إفطار ولا نذوقها إلا في الشهر الكريم، آه من طعمها الفريد، هي أكلة الثريد، "نطمطق" بطقطقة اللسان بنغمة "آخ"، لذة في المذاق، ما أجمل سفرة رمضان بين حلو ومالح، أطباق تسيل اللعاب متعة للحواس، أكلات تهيمن على الدماغ بإفراز هرمون السعادة "الدوبامين" نصبح في حالة شبع ونشوة، بعفوية نتجشأ، يعكر صفونا "أبو فاگ"، قطرة ماء تطفئ الصوت المزعج الذي يخض أبداننا خضًا، نهرول لارتشاف استكانة شاي دارسين من أحد المجالس العامرة بالتلاوات العطرة.
تأخذنا مسارات اللعب كل ليلة، نقطع الدروب بين الأزقة والساباط، وحين يدركنا الجوع مجددًا تنفتح الشهية للأكل بعد ثلاث ساعات من الإفطار، فنقبل لشراء "الفلافل" من بسطة علي الصديق الذي ينادي "يا عوازل فلفيلو"، و"السمبوسة" من عند حسن المحروس، أما "سندويچ" البيض المسلوق من محل "أبو المير"، و"بياعة" جميل الصديق، ومن يملك قروشًا كافية "يتفشخر" بشراء اللحم المشوي من قهوة علي العقيلي أبو آدم، وشرب "النامليت" من "مقهى مغدين".
طفولتنا تفترش الأرض لعبًا ومرحًا بين العصر والمغرب نتسابق ردحًا بسلسلة من ألعابنا الشعبية (لعبة الوصلي، ولعبة البيض، والنط والحجل في المخطة التاروتية والقطيفية، وحبيبة شمسي) أما لعبة "الكنيس" نتشارك فيها مع الصغيرات اللاتي لا يمكنهن إكمال الدور فيهرولن عند سماع الأمهات عليهن لتوصيل الصحون المنوعة لطبخات رمضان الموسمية، يوزعنها على بيوت الأهل والجيران.
نعود للعب مجددًا، بعد الإفطار فنتسابق بردح متواصل عبر ألعاب(الفايفايوه، أشراع العود، الطير، جحدوه، القايم عرگلوا له) ولعبة "الخشيشوه" سيدة السهر، الوقت يدركنا إشارة منتظرة إلى الغد، أصوات المجالس هدأت تراتيلها شيئًا فشيئًا إلى حد الصمت، العابرون قل رواحهم، حركتنا أضناها اللعب والنعاس.
طوال شهر رمضان لعب ومسرة وراحة بال وقراءة ما تيسر، لا أجنبي يعبر الطرقات ولا عامل غريبًا وفد.
كنا نتوقف عن اللعب ليلتي الوفاة والقدر، صداقات بريئة وطدتها الليالي والأيام، وحين يأخذنا التعب مأخذه، نأوي للفراش في حدود الساعة العاشرة ليلًا، حيث لا مكان للسهر أبعد من هذا الوقت، كل في بيته يتوسد "المخدة" سباقاتنا المشحونة بألق الصبا نراها حتى في الأحلام.
بعد منتصف الليل، وعند الساعة الأولى من الفجر، إيقاعات محمومة توقظنا من مضجعنا، نفز على نغمات (أحمد المسحر) بطبلته المدوية التي توقظ كل نائم ونائمة، يضرب بيده اليمنى ضربات متتابعة تواليًا، دقات خفيفة بيده اليسرى كمترادف للإيقاع المنتظم، يطرق الأبواب، ويذرع المسافات، ينادي على أصحاب البيوت كل باسمه،(سحور يا عباد الله، ها أبو عبد، أبو علي، أبو حسين، حجي كاظم، گعدوا تسحروا بارك الله فيكم) يهوي بعصاته على الطبل فترتج الأرض من تحت أقدامه العجلى ليلحق من مناداة بقية "الفرگان"، حراك دؤوب، ودوي الإيقاع يتردد صداه منذ سنين خلت كموروث يعانق الوجدان، في الشتاء والصيف وفي كل المواسم، يعبر "لمسحر" الطرقات في حلكة الظلام، وحيدًا يجوب الأزقة و(الفرجان) تؤنسه أصوات المتهجدين في الأسحار وروحانية الشهر الكربم.
نجاوبه تحية من أعلى السطوح أو من فتحات "البادگير"و"الداريش" (قواك الله يا أبو مجيب).
نضرب موعدًا معه عند منتصف الشهر وقرب نهايته، حينما يمر على المنازل نهارًا، ليأخذ المقسوم من الأهالي إكرامًا لمجهوده طوال الشهر، نتتبع المسحر عصرًا ونساعده في حمل (الزبلان) التي امتلأت من عطايا أصحاب البيوت بعدما قدم كل منهم (چيلة رز، أو طحين، أو هريس، أو ساگو، أو بلاليط) لا نطرق أبواب الفقراء حسب تعليمات المسحر، نفرغ الحمولات في بيته الكائن شرق الديرة، نجري سريعًا لنتسلم دورنا في قرع الطبل، نجاهد أنفسنا في تقليد دقاته بصعوبة بالغة، لا يطاوعنا حماسنا كما نريد، طبلة أكبر من حجم صدورنا، وعلى رقبتنا تكون أثقل، بعض الأولاد تتملكهم أنانية الاستحواذ، لا يريدون إفساح المجال لغيرهم، يفض نزاعنا (لمسحر) بأبوته الحنونة.
قبل أذان المغرب تأمرنا الأمهات بحمل الصحون المنوعة لطبخات رمضان الموسمية، نوزعها على بيوت الأهل والجيران، منظر آسر لمجاميع فتيات يدخلن من بيت لآخر حاملات "طشت" وبه عدة صحون، وهذا صبي في يديه "مشكاب هريس" واضعًا "بيز" قطعة قماش لكيلا تلسعه الحرارة،
هي حرارة قلوب دافئة بالطيبة والكرم وروح الحمية، تقاسيم اللقمة تجوب البيوت بفرح متناه.
ومع اقتراب الشهر الفضيل في لياليه الأخيرة، تجتمع النسوة في مجالس معروفة، بيت (الشيخ، الجشي، سيد مهدي، الشكر، سليس، بيت علي) وكذا في الأحياء القريبة من الديرة، بالإضافة للربيعية وسنابس، طقس تختص به الجزيرة دون غيرها من مناطق القطيف، إنه (دعاء البحبوح).
ففي ليلة السابع والعشرين وما بعدها بليلتين تكون النسوة على موعد مع الأماني القلبية، يغتسلن سعادة ويتوضأن حبًا وطاعة، ويلبسن أحلى الثياب، لتأدية الدعاء فرحًا بختمة القرآن وببلوغ نهاية شهر الصيام، وبأن الله أنعم عليهن قيامه وقعوده وهن في صحة وعافية، تتلو (الملاية) على مسامعهن وهن متوجهات بخشوع تام نحو القبلة، (.. اللهم افتح لي فيه أبواب فضلك، وأنزل علي فيه بركاتك، ووفقني فيه لموجبات مرضاتك، وأسكني فيه بحبوحات جناتك يا مجيب دعوة المضطرين.. ) ثم يتأهبن النسوة بحركات النط الخفيف وهن جالسات، متوكئات،
يقفزن على أطراف أصابع أقدامهن وأيديهن، بحركات دائرية، أو صفين متقابلين، يقتربن من بعضهن بعضًا إلى منتصف المجلس وهن يرددن (يا رب، سوي لي بحبوح في الجنة، سوي لي بحبوح في الجنة.. )، يفرغن من هذا الشوق الفائض حنينًا إلى جنائن الله، بدفع الصدقات وبمسح وجوههن بماء الورد، طقس متولد من فضاء (معلمة القرآن) زاولنه وهن صغيرات، ولم يبرحن أن يستذكرنه وصفًا مشهديًا جماعيًا مسكونًا في الوجدان، حنين عفوي محمل بشفافية اليقين وطهر النوايا وبطيبة القلوب يتقربن بوجدهن الحركي كطائر نوراني مطهر من الخطايا والذنوب، أفنى العبادة استغفارًا، طول الشهر وليالي القدر، يسافرن بأجنحة الشوق بأن يجود عليهن الله بنزل في الجنة.
بشائر الشهر تؤنسنا كل ليلة، وما إن تحل ليلة السابع والعشرين إلا ودموع العين تفيض حزنًا بموال الوداع، يصحب (لمسحر) والده في عتمة الليل، وإيقاعات طبلتة متراخية ليفسح المجال للصوت الوقور المنبعث من حنجرة أبيه الوفية، شيخ أفنى العمر في إيقاظ الأجداد على مدى عقود من الزمن، وورث المهنة لابنه أحمد كما ورثها هو من والده وكذا جدوده، وأطلق عليهم (عائلة المسحر) استحقاقًا من الأولين لتشريفهم في خدمة الصائمين طوال 257 سنة، وها هو الحاج (حسن المسحر) بعد أن فقد البصر، واضعًا يده على كتف ولده أحمد وهو ينشد بلحن آسر مليء بالتنهدات (أحمد الله في ابتداء الكلام، وأصلي على شفيع الأنام، أسأل الله عفوه بالدوام، وكذا عفوه وحسن الختام، ودعوا يا كرام شهر الصيام، ودعوا يا كرام شهر رمضان، الوداع الوداع يا شهر الله، وعليك السلام يا شهر الصيام)، وداعية طويلة تعزف شجنًا على أوتار القلب، وتفيض العين دمعًا يسيل على الخدود، أي حزن يلفنا في تناول السحور الأخير، أي كآبة تثقلنا نحيبًا، بصوت الوداعية. نتنفس حزنًا على حزن بين لواعج الأمهات (هلال النور مال إلى المحاق، وشهر الخير أذن بالفراق) نواسي أنفسنا أملًا وصبرًا منتظرًا لعام قادم بتنهيدات لآخر ليلة في السحور.
تقول أمي: (يا أولادي رمضان بيعود وهل نحن وياه انعود.. ما يعود إلا على طويل العمر).
شكر خاص:
لوالدتي مريم وأختي فاطمة والملاية بدرة الداوود أم محمد العقيلي اللاتي أمدوني بطقس أجواء (البحبوح)، وهن لم يزلن متمسكات بتأصيله الجميل.
والشكر موصول للأخ محمد الصغير الذي استدعيت معه ذاكرة أيامنا الحلوة.
تحايا قلبية للراحلين:
سلام على أرواح خبازي البلد الذين ملؤوا رحاب السوق عبقًا بخبزهم ذي الرائحة الشهية، كأني بهم أسمع صدى أصوات "محاورهم" وهي تفرد كرات العجين على الطاولة الخشبية، طرقات إيقاعية تسمع من بعد، برحيلهم فقدت طعم الخبز.
وسلام على أرواح أصدقاء الطفولة (باسم حسن حماد) -الأخ الأصغر للشيخ غالب حماد- وابن أختهم(فؤاد كيدار)- الأخ الشقيق لعمدة تاروت الحاج عبد الحليم كيدار، و(سعد القطري) الأخ الأكبر للشيخ أحمد القطري، وإبراهيم عون المختار، وحميد الزريقي ومجيد فسيل، وعبد الغفور المرزوق، الذين ردحنا معهم في ليالي رمضان نهاية الستينيات وبداية السبعينيات الميلادية
غابوا عنا لكن أرواحهم
أتحسسها كلما أتى رمضان
وسلكت دروب الديرة ليلًا.
تحايا ملؤها الحنين لتلك الوجوه الطيبة.
رحمهم الله رحمة واسعة
وأطال الله في عمر الباقين بصحة وسلام.



