ما أجمل أن تبقى بعض الأماني والشهوات سرًّا عند صاحبها!

كما يسميه المتنورون "عصر السوشيال ميديا"! كل يبوح بشهوته ورغباته من الأكل واللباس والعلاقات حتى إنه لم يبق شيء يمكن البوح به إلا تجد من يبوح به! سهلت وسائل التواصل الاجتماعي وشجعت على انكشاف الرغبات، ما نحبّ ومن نحبّ، من نكره وما نكره! فإذا ذهب شخصٌ إلى سفرٍ صار يرسل أين ذهب وأين أكلَ وأين نام! إذا انضمّ شخصٌ إلى مجموعة تواصل يعرف ما يشتهيه بقية الأعضاء في المجموعة من أشياء خاصة!
وأما بنعمة ربك فحدث! اذكر نعمة الله وأظهرها وحدّث بها، فإن الحديث بها شكر وتركها نكران نعمة، لكن هل خلطنا بين إظهار النعمة والشكر عليها والتفاخر وإظهار الأسرار الشخصيّة؟! الحديث عن النعمة يكون باللسان، ولكن ليس مثل أحاديث الآن استيقظتُ وشربتُ قهوتي واستمتعتُ بقهوَتي وما إلى ذلك من ترّهات العصر! ويكون الشكر بالعمل عن طريق الإنفاق من هذه النعمة في سبيل الله، إنفاقًا يبين مدى هذه النعمة.
الحديث عن الحياة الشخصيّة -سرٌّ من أجمل الأسرار- يفسده التفاخر والغرور ما يجعل المتباهي أقلَّ قدرًا من حال كونه احتفظ بأسرار حياته الشخصيّة إلا مع من هو قريب منه! حياتنا الخاصّة سميت "خاصّة" لأنها تخصنا دون سوانا!
أين تذهب وأين تنام ومع من تجيء وتروح يبقى من الحياة الشخصيّة إلا عند من يعنيه! أما عند من لا تعنيه التفاصيل فهو ليس معلومة ملحة عليه أن يعرف تفاصيلها. فإما أن يكون من وراء مشاركة الحياة الشخصية هدف أسمى ومنفعة كبرى أو ترك مشاركة التفاصيل أفضل لمن لا يهمه ولا يخصه الأمر!
الفرص الشخصية في مواقع التواصل كبيرة؛ في التجارة والإعلان والعلم والمجتمع والخدمات، من يتقنها يجني ذهبًا. وهنا اختلاف جوهري بين المحتوى الراقي والهادف والشخصيّ الخاصّ والهابط الذي ليس فيه قيمة تذكر غير رخص القيمة الشخصية وذهابها.
عزيزي، حياتك على وسائل التواصل الاجتماعيّ تخصك -وحدك- وهي حياة افتراضية بالنسبة لغيرك! أين أنت؟ ماذا تفعل الآن؟ إن كان مفيدًا لأحد فحبذا لو شاركتها وإلا فلا تشاركها غيرك!
جاءت وصايا جميلة -كثيرة- في الحفاظ على السرّ، منها عن الإمام عليّ بن أبي طالب -عليه السلام-:
- كلما كثر خزان الأسرار كثر ضياعها.
- لا حرزَ لمن لا يسع سره صدره.
- ابذل لصديقك كلّ المودة ولا تبذل له كل الطمأنينة.
- أنجح الأمور ما أحاط به الكتمان.
- لا تودع سركَ إلا عند كلّ ثقة.



