عن قوّة الإعلام!

حط التلفاز رحاله في بيتنا، مرحلة الطفولة، في زمنٍ متأخر عن بعض الجيران لأسباب اقتصاديّة واجتماعية أيضًا. لذلك توزّع وقت مشاهدة التلفاز باللون الأبيض والأسود الباهت بين بيوت الجيران - من يسمح منهم - وبين بيوت الأصدقاء الذين كنا نستذكر معهم امتحانات الفصول النهائيّة في مختلف المراحل الدراسية؛ نستمتع بمشاهدة مباريات كأس العالم لكرة القدم عام 1978م، وبعض المسلسلات البدوية مع معاناة في ضبط الشاشة إلى حدّ الملل والضجر، في رطوبة فصل الصيف، وقلة القنوات التليفزيونية التي يلتقطها هوائي التلفاز الموجّه يدويًّا. أما المشاهد فكانت محافظة إلى حدّ كبير، ليس فيها ما يستدعي المراقبة.
بينما أستعيد هذه الذكريات، أرغب في لفت نظر القرّاء الكرام إلى قوة الإعلام المسموع والمرئي إلى حدّ الطغيان؛ في يد كل واحد منّا جهاز بمقاس راحة الكف، أصغر أو أكبر قليلًا، تفوق قوته في التأثير التلفاز البائس بعشرات المرات.
كنا ـ آنذاك - نبحث عن المادة، من أي نوع كانت، ولا نحصل عليها! اليوم المادة - هي - تصل إلينا، تحاصرنا وتجبرنا على مشاهدتها وإذا لم نكتف فهناك المزيد والمزيد من المواد! لا يحتاج أن ندور الهوائي أو نثبت محطة البث ولا نخاف انقطاع التيّار الكهربائي، تصلنا المواد على مدار 24/24 ساعة. وإذا لم يكف ذلك فهناك كمّ من الأصدقاء المتوزعين في مجموعات التواصل يرسلون ما يرونه مناسبًا "في نظرهم".
أظن في هذه المرحلة علينا أن ننعت الكتاب والوسائل التقليدية بالمسكنة والتواضع، مع أنها أرقى وأعمق وأوثق - في معظمها - إلا أنها فقدت زخمًا من رفقائِها القدامى وتستقطب فئة أقل من الجيل الصاعد! من أول المستحيلات أن يتراجع الإعلام عن قوته ويتواضع لأنه أصبح فيلاً في غرفة لا يمكن إخراجه إلا بهدم الغرفة! لذلك علينا أن نتعايش مع الفيل، بحيث لا يسحقنا ولا يهدم الدار فوق رؤوسنا!
دعوة لأبنائي وبناتي الذين لم يعانوا البحث عن المادة الإعلامية مثلنا ألا تجرفهم قوة تيار الإعلام المرئي في أيديهم عن أهدافهم الكبرى في الحياة وأن هذه "التلفازات" الشخصيّة فيها ما ينفع إذا بحثتم عنه. أقدّم هذه النصيحة وأنا أرى هذه الأجهزة تسيطر على حركات الشبّان والشابات وعلى أدمغتهم في أيّ مكان أراهم!
كنا نقلق ونحذر من تأثير الإعلام على الشبان والشابات البالغين أو قبل ذلك السن بقليل، والآن أصبحنا نقلق على أطفالنا في سنّ ما قبل المدرسة، أصبح الإعلام جزءًا لا يتجزأ من حياتهم وثقافتهم. فعندما يأتي أحفادي مساءً أراهم يهرولون نحو أجهزة التواصل قبل أي شيء آخر!
رسالتي بكل مودة للآباء والأمهات: تكلموا مع أبنائكم وبناتكم عن هذا الفيل!



