من شويكة القطيف.. لـ أحمد العسيف حكاية بين معطفين.. بدأت بـ الطب ثم الهندسة.. وانتهت بوظيفة خلف الموقد

بين معطف الطبيب ومعطف الطاهي، حكاية احتضنت فصول الحلم والواقع لـ الشاب أحمد مهدي علي العسيف، حكاية بدأت منذ المراحل الأولى لرسم الأمنية المستقبلية لحياته وهو يتخيل أنه واحد ممن يقفون في السلك الصحي، لكنه وجد نفسه وهو بين صفوف طلاب هندسة الآلات الدقيقة، ثم انتهى به المطاف واقفًا خلف الموقد، والقدور والأطباق.
من الطب إلى هندسة الإلكترونيات
كان حلمًا يشبه أحلام الكثيرين ممن هم في عمره؛ بأن يكون واحدًا ممن يعملون في مجال الصحة، وقد سعى أحمد لذلك، فبعد أن انتهى من دراسة المرحلة الثانوية، التحق بالدراسة في جامعة الإمام عبد الرحمن بن فيصل “الدمام سابقًا”، وأنهى السنة التحضيرية، لكن إرادة الله لم تكتب له الاستمرار في هذا التخصص.
ولأن العسيف لم يكن من الطلاب الذين يركنون للكسل، فإن عدم إكمال الدراسة الصحية لم يجعله يتلحف اليأس وينام في فرشته، بل قرر أن يأخذ مسارًا آخر للدراسة، فالتحق بكلية الجبيل الصناعية عام 2016م، وبعد السنة التحضيرية اختار تخصص "هندسة الآلات الدقيقة وتحكم"، ولم يكن اختياره للتخصص نابعًا من الحب أو الرغبة، لكنه حسب وصفه: "كان أفضل خيار بين التخصصات المتوفرة وقتها".
حاجز "لا شواغر وظيفية"
بعد أربعة أعوام من الدراسة، تخرج أحمد في الجامعة، فقرر البحث عن عمل بشهادته، لكن أحلامه في الوظيفة اصطدمت بحاجز "لا توجد شواغر وظيفية"، وعندها لم يكن يعلم أن ذلك الحاجز هو بداية قصة التحول والنجاح الحقيقي له.
يقول لـ«القطيف اليوم»: بعدما تخرجت في الكلية عام 2020م، بدأت بالبحث عن وظيفة وقد كان العالم يعيش وقتها فترة جائحة كورونا، لذلك كانت الشواغر الوظيفية منعدمة تمامًا، ولم أحصل على أي فرصة بشهادتي، وفي ذلك الوقت سألني أحد الأصدقاء المقربين: أنت تحب الطبخ وطبخك لذيذ فلماذا لا تفكر بدخول هذا المجال؟!
وتابع سرد قصته بقوله: "سؤاله ذلك، جعلني أفكر مليًا، أنا حقًا أحب الطبخ، وأغلب أوقات فراغي كنت أقضيها في المطبخ فلماذا لا أتوجه للمجال الذي أحبه لأعمل فيه، طالما أن الأبواب التي طرقتها بشهادتي كانت مغلقة!".
وظيفة في المطبخ
اتخذ العسيف قراره بأن يغير طريق بحثه عن وظيفة، فبدلًا من البحث عن واحدة بتخصصه قرر أن يفتش عن أخرى في مجال شغفه وهوايته وهي "الطبخ".
يقول: "بمساعدة نفس الصديق الذي اقترح عليّ العمل في مجال الطهي، قابلت كبير الطهاة بأحد فنادق الخبر، وقد شجعني للدخول في المجال خصوصًا أنني من محبي الطبخ، وبعد المقابلة تأكد لي أن هذا المجال ما أريد أن أكمل حياتي فيه، لكن أحلامي بتلك الوظيفة عادت لتصطدم بالرفض، لكن هذه المرة تم رفضي من قبل إدارة الفندق لأنني كنت بلا خبرة في نفس المجال أو شهادة أكاديمية أو حتى دورة تدريبية".
سلاحه شهادة أكاديمية
كأي محارب يحاول أن يظفر بالفوز في معركته، بحث العسيف عن سلاح يجعله يكسب ما يسعى إليه، ولم يكن السلاح غير "شهادة" في نفس التخصص الذي يسعى للعمل فيه.
يحكي عن تلك المرحلة الانتقالية في حياته قائلًا: "عندما لم أحظَ بوظيفة الطاهي، قررت أن أدعم حبي للمطبخ بشهادة أكاديمية، فالتحقت بأكاديمية "زادك لفنون الطهي" بالخبر في عام 2021م، أي بعد تخرجي بعام واحد، وأخذت "كورس" مدته 6 أشهر، مقسمة على قسمين؛ 3 أشهر دراسية بالأكاديمية، ومثلها للتدريب في أحد الفنادق".
ويضيف: "في ذلك الكورس تعلمت الكثير من أسرار الطبخ بدءًا من أساسياته البسيطة إلى الطرق والأساليب المتقدمة".
رغبة تسوّرها مساندة الأسرة
لم تُوَاجه رغبة "العسيف" بالترحيب المبدئي في محيطه، بل كان الاستغراب هو الشعور الأول تجاه تلك الرغبة، إلا أن الحب يصنع التغيير، فعندما تلمست أسرته مدى حبه وإصراره على دخول مجال الطبخ لم يتردد أفرادها في تشجيعه ومساندته، خصوصًا صديقه المقرب ووالده ووالدته وإخوته.
وأخيرًا.. وظيفة طاهٍ
بعد أن حصل ابن القطيف على شهادة بالمطبخ العالمي من أكاديمية زادك توجه إلى أحد الفنادق بالخبر، وتم قبوله مباشرةً ولا يزال يعمل فيه إلى الآن.
تلميذ بين يدي والدته
قبل الدراسة الأكاديمية، كانت علاقة أحمد بالطبخ أكبر من علاقة المتلصص عليه، فقد كان شغوفًا بتحضير بعض الأطباق، وقد خلق تقليده لوالدته علاقة وطيدة بينه وبين المطبخ.
يقول: "كنت دائمًا أحب مساعدة أمي في المطبخ منذ صغر سني، وقد كان أول طبق حضّرته بمفردي وأنا في عمر الثانية عشرة تقريبًا، عندما شعرت بالجوع فدخلت المطبخ وحضرت لنفسي طبق بطاطس مقلية، وعند انتقالي للدراسة في كلية الجبيل سكنت هناك، وكنت أمارس هوايتي بإعداد مختلف الوجبات وقد كانت والدتي مصدر وصفاتي".
ويوضح أنه التحق أيضًا بإحدى حملات الحج في القطيف ككادر في المطبخ، وقد تعلم من تلك التجربة طبخ الكميات الكبيرة من أصناف متعددة.
أما عن أول طبق احترافي قام بتحضيره بمفرده فيذكر: بعد مضي فترة خلال دراستي بالأكاديمية، حضّرت قطعة ستيك مع البطاطس المهروسة في المنزل، وكانت تلك أول مرة أطبخ بمفردي وأنا على دراية تامة بكامل تفاصيل الطبق من مستوى الاستواء والنكهة وغيرها.
بين نكهتين
ومع أنه الآن طاهٍ محترف، إلا أنه مازال يمارس الطبخ داخل مطبخ المنزل، حيث يصف زيارة المطبخ بالعادة التي تسري في دمه، سواء في مطبخ العمل أو المنزل، مضيفًا أنه في المطبخين دائمًا يحاول الدمج بين طرق الطبخ المعروفة في المنزل وبين تلك التي تمارس في المطاعم، حتى إن متذوقي أطباقه يصفون طبخه في العمل بطبخ الأمهات، والعكس يحدث حين يطهو الأطباق في المنزل فإن أطباقه توصف بـ "طبخ المطاعم".
صعوبات
يتحدث "العسيف" عن الصعوبات التي واجهته عند عمله كطاهٍ قائلًا: "خلال فترة الدراسة لم تواجهني أي صعوبات -ولله الحمد-، أما في فترة عملي فإن أصعب ما أواجهه هو الموازنة بين حياتي العملية وحياتي الاجتماعية، فأغلب الأوقات أعمل لوقت متأخر، وخلال المناسبات والأعياد أكون على رأس العمل، مما يُصَعّب علي رؤية الأهل والأصدقاء ومشاركة الأحبة مناسباتهم".
لا تقف في محطة واحدة
ويختتم حديثه بقوله: "الحمد لله على ما أنا فيه، كل ذلك جاء نتيجة الإصرار وعدم الوقوف في محطة واحدة، فلو أكملت في المسار الصحي ربما لم أكن لأصل لما وصلت إليه ولما أنا فيه اليوم، ولو استسلمت لعدم قبولي بشهادتي، لربما بقيت حتى اليوم حائرًا في البحث عن عمل، كما أنني لا أنسى دور الصديق الحقيقي الذي وجّهني للبحث عن وظيفة بشغفي بدلًا من تلك التي تعثرت في الحصول عليها بشهادتي".