أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

سيرة طالب (٦٠)

الشيخ علي الفرج · القطيف اليومالجمعة 1 سبتمبر 2023، 6:22 م
سيرة طالب (٦٠)

(بوابة الأشجار)
قصيدة نثرية كتبتها في الإمام الحسين عليه السلام لم تكن ضمن ديواني المطبوع إلا أنها لقت رواجاً بين الشعراء وتلاقفتها أيديهم وقد راسلت بعض الصحف والمجلات رغبة في نشرها بعضهم اعتذر وبعضهم لم يرسل لي حتى رسالة اعتذار .
إلى أن قام بنشرها ونشر النقد عليها الشاعر الناقد الروائي المصري (خالد الانشاصي)،، وذلك قبل قرابة العشرين عاما في جريدة الوطن ( 2004 م) والملفت للنظر بالرغم أنها قصيدة حسينية إلا أن الناقد لم يفكك رموز كربلاء وقد ذكر عبارة ( الإنسان الحقيقي ) وهكذا كان وما زال الإمام الحسين عليه السلام يمثل رمز الإنسان الحقيقي لمن عرفه وقصده ولمن لم يعرفه وعرف صفاته ومواقفه.

النص:

(بوابة الاشجار)
التقيت الحامل زرقة الليل
يتصبب إنسانية
يفتش عن إنسان آخر وسط السوق المزدحمة
كمن يبحث عن أحافير دير
غير قادر على تجفيف غيرته ، وبراءته المنفجرة أيضا
كلما امسك بواحد فتح رأسه
وألقى سنارته
لكنه يسمع ارتطامها في قدميه :
ليس غير ملوحة الصعلكة
بين ضحك حقيبة وبكاء قميص !
أين هو الإنسان إذن ؟! .
الشجر هو الآخر يقلد الناس …
يكبر كمن يتسمن بغباء
جاء من يتصبب خضرة يفتش عن شجرة وسط الغابات
لا يمسك بغصن إلا وجده يدا عابثة
قد تيبست من خشونة العبث
ولا يلمس ورقة إلا وجدها قميصا مهترء ولا رجل
… أو بالونة منفجرة ولا طفل
أين هو الشجر إذن ؟!
انكفأ على نفسه ، فجعل يبحث عن أول سيف
وجد السيوف ماثلة أمامه في الأسواق
والغابات
ارتمى بثقله
ومن أول جرح
انفتحت بوابة جديدة للأناسي والأشجار :

النقد:
البحث عن المثال سمة من السمات التي شكلت معالم الشعر العربي الجديد، وهي سمة تنبئ بمدى حالة القلق والضياع والانهزام والاغتراب، التي واكبت ظهور القصيدة الجديدة، منذ نهاية الأربعينيات من القرن الماضي إلى اليوم.
وإذا كانت الظروف السياسية والاجتماعية القاسية التي عاشها العالم العربي منذ أواخر الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، قد أسهمت إسهاماً مباشراً في تولد الرغبة في كسر حاجز الصمت والجمود الناتج عن الاستبداد السياسي والقهر الاجتماعي، فإن الأدباء والشعراء على وجه الخصوص، كانوا أشد المتأثرين بهذه الظروف، ومن ثم اتسم النتاج الشعري في تلك الفترة بالبحث عن الجديد من خلال تصوير الواقع المعيش. وقد برزت قضية البحث عن الإنسان الحقيقي بشكل لافت ؛ باعتباره الوحيد القادر على إحداث توازن في واقع مختل، ولكن - إمعانا في الثورة على الواقع - لا تفلح كل محاولات البحث في العثور على ذلك الإنسان تلك المحاولات التي شبهها الشاعر السعودي علي الفرج بمحاولات البحث
عن أحافير دير:

التقيت الحامل زرقة الليل
يتصبب إنسانية
يفتش عن إنسان آخر وسط السوق المزدحمة
كمن يبحث عن أحافير دير

وحتى إن أفلحت تلك المحاولات في العثور على إنسان، نجده إنساناً خاوياً، أو ترساً في منظومة الواقع المحيط:

كلما أمسك بواحد فتح رأسه
وألقى سنارته
لكنه يسمع ارتطامها في قدميه
ليس غير ملوحة الصعلكة بين ضحك حقيبة وبكاء قميص !
أين هو الإنسان إذن؟! " أين هو الإنسان إذن؟!....

ذلك هو السؤال الذي أجابه صلاح عبد الصبور في "مذكرات الصوفي بشر
الحافي " حين قال: الإنسان الإنسان عبر / من أعوام / مضى ولم يعرفه بشر / حفر الحصباء ونام / وتغطى بالآلام فلم يعد للإنسان الحقيقي وجود، أما الناس الذين يصادفهم الشعراء ، فهم إما من ذلك النوع الذي يتسمن بغباء - كما يرى علي الفرج ، أو هم الجارحون في قول (عبد الصبور):

الناس في بلادي جارحون كالصقور.

أو هم الذين فقدوا إحساسهم وبشريتهم وأصبحوا مجرد آلات في قول (أمل دنقل):

الناس هنا - في المدن الكبرى - ساعات
لا تتخلف
لا تتوقف
لا تتصرف
آلات آلات آلات

أو هم مجرد عدد في قول (أحمد عبد المعطي حجازي)

الناس في المدائن الكبرى عدد
جاء ولد
مات ولد

هذا الواقع لم ير فيه على الفرج إلا غابة تهب البقاء فيها للأقوى، وعندئذ فقط، تنفتح البوابة وتتجلى حقيقة الناس، تماماً كالأشجار التي يأكل بعضها بعضاً.