أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الحاجّ عبد الرسول بن أحمَد العلقم.. وداعًا!

هلال الوحيد · القطيف اليومالسبت 2 سبتمبر 2023، 3:48 م
الحاجّ عبد الرسول بن أحمَد العلقم.. وداعًا!

لا أتذكر منذ كم سنة بالتحديد تعرّفتُ على المرحوم الحاجّ عبد الرسول بن أحمد بن رضي العلقم الذي اختاره الله يوم أمس، الجمعة، لكن معرفتي به لا بدّ أن تكون - أبعد - من عشرين سنة. لاحظتُ عنايته الفائقة بأناقة مظهره وجمال ملابسه، يحضر في سيارة مرسيدس خضراء اللون، كأنّ هيئتها ولونها حاضران الساعة في ذاكرتي. يوقف المرحوم سيارته بكل راحة وانتظام ويدخل المسجد في ابتسامةٍ وانشراح مثل نسمةٍ لطيفة يسلّم على هذا ويلاطف ذاك. قبل أن أعرفه كنت أقول في نفسي: هذا الرجل أنيق وجميل جدًّا وهادئ الطباع، ليتنا نتعرف ونكون أَصدقاء!

من جميل الصدف أن جلستُ بالقرب منه يومًا، أخذنا الحديثُ قبل الصلاة وتعارفنا وحينها أدركتُ أن خلف نقاء وبياض الثياب قلبًا أنقى وأجمل من الثياب! في المرة التالية أهداني متكرّمًا هديةً ثمينة؛ قصّ عليّ تاريخ حياته القديم الجميل وذكرياته مع شركة أرامكو، نجاحاته وإنجازاته، وكانت بالنسبة لي تاريخًا جميلًا. إن لم تخُنّي ذاكرتي، كان المرحوم قبيل شهر رمضان من كل سنة يخبرني أنه يتحضر للعمرة مع رفقاء له، وفي منشور رأيت أنه حجّ مع إحدى حملات القطيف 14 مرة.

كان كريمًا، ما التقيته مرّة إلا ولامني على عدم زيارتي له في منزله - خلينا نشوفك عاد - يكررها بلهجة قطيفية ودودة، وكانت إجابتي المعتادة أن مشاغل الأسرة والعمل ـ آنذاك - يضيق بها الوقت. يقبل المرحوم العذر ولا يفتأ يذكّر بالدعوة. أخبرته ذات مرة عن حاجة بدت لي تمنيت أن لو عرفتُ شخصًا يمكنه المساعدة فيها وعندما عرف أنني تأخرتُ في طلب المساعدة منه لامني وتأسف أنني لم أخبره!

لم أر المرحوم منذ مدة طويلة، وبكل حزنٍ قرأتُ خبر وفاته يوم الجمعة، الأول من أيلول/سبتمبر 2023م فأثار في ذاكرتي سربًا من الأسئلة؛ كيف مرّت عشراتُ السنين؟ كيف يموتُ الكرماءُ المؤمنون؟ كيف؟ وكيف؟ لكنها الحياة كلنا من التراب إلى التراب، نلتقي مثل غيمةٍ تعبر فصل الصيف، بعد اللقاء نفترق إلى أن نعود ثانيةً حيث كنا في محبة الله وفي جماله ورضوانه. هناك لا أحد يفترق ولا أحد يموت!

العزاء لأهله ومحبيه وتقبله الله في درجةٍ عالية من النعيم الدائم. هذه هي الحياة إما مولود قادم أو مفقود مرتحل. "أبناء الأربعين زرع قد دنا حصاده، وأَبناء الخمسين ماذا قدّمتم وماذا أخرتم؟ أبناء الستّين هلموا إلى الحساب لا عذرَ لكم، أبناء السبعين عدوا أنفسكم من الموتى".
وإنما المرءُ حديث بعده ** فكن حديثًا حسنًا لمن وعى!

كان المرحوم حديثًا جميلًا في حياته وهو كائن بإذن الله حديثًا حسنًا بعد موته.