أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

إذا مات الضمير عشعش الغش والخداع

عباس سالم · القطيف اليومالخميس 21 سبتمبر 2023، 12:38 ص
إذا مات الضمير عشعش الغش والخداع

في زمن الحداثة اليوم غاب الضمير عن منظومة القيم الأخلاقية بين الناس في الكثير من المجتمعات العربية والإسلامية، وأصبحت قيم الغش والخداع والكذب والنفاق والرياء الاجتماعي قناعةً وسلوكًا يغطي على النزاهة والصدق، وصار التزمت والصعود على أكتاف الناس والتظاهر بصفات النخوة والأمانة متقبلاًا ومرحبًا به بين بعض الناس.

الصراع الداخلي للإنسان بين النفس الأمارة بالسوء والضمير صراع أزلي، فإذا مات الضمير مالت النفس إلى التجاوزات والانحرافات التي ربما تكون مخالفة للدين وللقانون والنظام، وإن القانون والنظام عنصران مهمان لتنظيم حياة البشر، فعلاقة الحياة بهما علاقة راسخة وكلاهما مكمل للآخر، والحياة بلا نظام ولا قانون حتمًا ستكون حياة فوضوية، وربما ستهضَم معظم حقوق الناس ولن توزع مهام الحياة بالعدل والاستحقاق.

يحكى أن رجلاً شرقيًا كان يدرس في الغرب "أيرلندا" وكان عنده امتحان للطب برسوم 309 جنيهات ولم يكن لديه إلا مبلغ 310 جنيهات فدفعها، وانتهى الرجل من الامتحان ومضت الأيام ورجع إلى بلاده.. وإذا برسالة تصله من أيرلندا جاء فيها: "أنت أخطأت عند دفع رسوم الامتحان حيث إن الرسوم كانت 309 جنيهات وأنت دفعت 310 جنيهات، وهذا شيك بقيمة واحد جنيه.. فنحن لا نأخذ أكثر من حقنا!!!" مع العلم أن قيمة الظرف والطابع أكثر من هذا الجنيه!!

ويقول كذلك وأنا أتردد ما بين الكلية والسكن كنت أمر على بقالة تبيع فيها امرأة وأشتري منها كاكاو بسعر 18 بينسًا وأمضي، وفي مرة من المرات مررت بها.. ورأيتها قد وضعت رفًا آخر لنفس نوع الكاكاو مكتوب عليه السعر 20 بينسًا، فاستغربت وسألتها هل هناك فرق بين الصنفين؟؟، قالت: (لا) نفس النوع ونفس الجودة، فقلت إذن، ما القصة؟!!! لماذا سعر الكاكاو بالرف الأول بـ18 بينسًا وفي الرف الآخر بسعر 20 بينسًا؟!.

قالت: لقد حدثت مؤخرًا في نيجيريا التي تصدر لنا الكاكاو مشكلات فارتفع سعر الكاكاو وهذا من الدفعة الجديدة نبيعها بـ20 بينسًا والقديم بـ18 بينسًا، فقلت لها إذن، لن يشتري منك أحد سوى بسعر 18 بينسًا حتى نفاد الكمية، وبعدها سيأخذون بسعر 20 بينسًا؛ قالت: (نعم) أعلم ذلك؛ قلت لها إذن، اخلطيهما ببعض وبيعيهما بنفس السعر الجديد بـ20 بينسًا، ولن يستطيع أحد التمييز بينهما، فهمست في أذني وقالت: هل أنت غشاش أم حرامي؟؟؟؟، فاستغرب مما قالته ومشى؛ وما زال السؤال يتردد في أذنه.. هل أنا غشاش أم حرامي؟!! أي أخلاق وضمير تحمل هذه المرأة؟!

لو عكسنا هذا التعامل الراقي والضمير الحي الذي يحمله الكثير من الناس في ذلك العالم، بالرغم من أنه لم يكن لديهم دين ولا تعاليم إسلامية ولا مسجد في كل زاوية ولا قرآن يتلى ويسمع في كل مكان ولا خطب ومواعظ تقرأ في دور العبادة، مع هذا عمّ الصدق والعدل والمساواة واحترام القانون والإنسان في أرضهم، وفيها لا يعامل الإنسان على أساس جنسيته أو قبيلته أو مذهبه بل على أساس إنسانيته، فأين الخلل في مجتمعاتنا؟!.

عندما نقارن تلك المعاملات والأخلاق مع معاملاتنا وأخلاقنا في مجتمعاتنا التي تكثر فيها المساجد وفيها الناس يقرؤون القرآن الكريم ويسمعونه ويرفع في مساجدها صوت الأذان وتغلق الشوارع التي أمام المساجد لصلاة يوم الجمعة، فهل نرى الصدق والأمانة عند بعض تجار العقار في مشروعاتهم وتعاملاتهم مع الناس؟ وهل نرى الصدق والأمانة في تنفيد مشروعاتنا الخدمية في شوارعنا ومدارسنا ومستشفياتنا؟، وهل نرى الصدق والأمانة من بعض التجار الذين يحتكرون البضائع وقت الأزمات؟، وهل نرى الصدق والأمانة عند بعض بائعي الأسماك والفواكه والخضراوات ومحلات بيع اللحوم والدواجن وغيرها؟ أم أن الغش والخلط في كل ما ذكر يحدث بين الحين والآخر؟

فمن هنا لا بد لنا أن نعرف أنّ الدين ليس عند كلَّ من صلى وحج وصام وأنّ الدين هو الصلاة، والحج، والصيام فقط، لكن الدين الأخلاق والمعاملة بالصدق والأمانة في كل أمور الحياة، والمسلمُ من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمنُ من أمِنه الناس على أموالهم وأعراضهم، أي أن الصفة الصارخة في المؤمن ليست صلاته، ولا حجه ولا صيامه! بالرغم من أهمية ذلك في الإسلام، لكن الصفة الصارخة تكمن في العبادات والمعاملات وهما نصف الدين الإسلامي ومع الأسف معظمنا فاشلون في النصفين!!.

وفي الختام: كثيرون سيكتشفون لكن بعد فوات الأوان، سيكتشفون أن الدين ليس في العبادات من دون المعاملات، وأن الجنة التي وسعها السماوات والأرض لا أبواب لها إلا بالإيمان الصحيح والعمل الصالح. قال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)، والله خير العادلين.