أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

أمي من فريق الأطرش «42»

عبد العظيم شلي · القطيف اليومالثلاثاء 26 سبتمبر 2023، 4:48 م
أمي من فريق الأطرش «42»

"يا ليل.. يا عين.. يا ليلي يا عيني" موال شدت به الحناجر، ومدته تنغيمًا بالآهات، ترنيمة وصل وطرب، رددها العشاق على كؤوس الشوق واللهفة والحنين، "آه يا ليل" نبضة قلوب المحبين و"آه يا عين" خلجات السهارى المتيمين بسحر الليل.

يا أيها المفتونون بالليل هل أتاكم حديث المتعبين الخائفين من لحظة حلوله، كادحون، الليل لباسهم، يتقلبون على جنوبهم وجلين، لم يهنأ لهم نوم ولم يستقر لهم مقام، لم يناموا ملء جفونهم، "الدگاگة" لهم بالمرصاد، بدو البر يعبرون البحر في هدأة الليل مارين بين مقبرة الدهر ونخل "البدع" ويعسكرون في "برودة" حاملين بنادقهم متأهبين للاقتحام الليلي، يتسللون نحو هدفهم بعد أن خبروه نهارًا وقد وضعوا خططهم على رمال الصحراء، غزاة حفاة جوعى ينهبون ما طاب لهم من خيرات النخيل وسرقة البهائم، معتبرين ما يحصلون عليه غنائم حسب مفهومهم الضال.

إن كانت معركة "الشربة" التي ذهبت فيها أنفس دونت في صفحات التاريخ، فإن النهب والسلب من كثرة وقائعه على أرض القطيف أغفل تدوينًا، فظائع اركتبت في الأزمنة الغابرة ظلت حبيسة ذاكرة الأولين، ضاع الجزء الأكبر برحيل أجداد الآباء، صور مؤلمة تناقلها الأحفاد في مجالسهم الخاصة قائلين "الله لا يعود ذاك الزمان"! ما من يد أمسكت بالقلم ودونت جور البداة إلا ارتعشت على القرطاس، حبر جفت سطوره وتلاشت الحروف والكلمات، ثمة أوجاع بقيت في الصدور يتقفى الحاضر لرصد بعض مما جرى!.

تخبرني والدتي عن جد أمها الحاج محمد علي آل زرع المكنى بأبي مهدي، مزارع وبحار، صاحب جود وكرم، يستقبل الضيوف وعابري السبيل في عرائش نخله المسمى بـ"الفمين" الواقع شرق أرض الجبل.

من حين لآخر يفد إليه بعض "البداة" يحيهم بترحاب فيطعمهم من منتجات نخله وأبقاره، صداقة تقديرية من جانبه تثمينًا لإكرام الضيف بصفة عامة.

هؤلاء شكلوا انطباعًا من خلال أحاديثهم السارة والآمنة، بأنهم يقدرون أي شخص صار بينه وبينهم "عيش وملح" ، وأقسم كبيرهم واسمه "يوسف"، بأغلظ الأيمان لن يمس من أطعمه حتى لو بفردة تمر ورشفة ماء، فكيف والحال موسوم بالاحتفاء والترحاب. الحاج أبو مهدي من ضمن اعتباراته في إكرامهم لاتقاء ليس شرهم بل شرور حاشيتهم ومن لف لفهم.

كم مرة وعدوه بطمأنينة، إذا أحد هاجمه فلا يلومن إلا نفسه، سوف يتتبعون آثاره ويقتصون منه، فهم يعرفون بعضهم بعضًا لأن دوائر السطو متقاربة.

البداة ضيوف النهار خبروا المكان وحراك صاحبه في الحضور والغياب.

ذات يوم قائظ جاء كبيرهم مع شخصين من صحبه، طرقوا الباب، جاوبتهم "قمبرية" التي تعرف الأصوات، فقال يوسف لها: "وين أبو مهدي" ردت عليهم "غائب البحر يباري لحضرة ، آمر" جاوبها: "أمس قال لينا بندگيته خربانه، نسينا ماخذناها معانا ، أعطينا وياه بنسلمها لواحد من ربعنا يعرف يصلح البنادگ وأبشري بكرة هي عندكم"، في البدء توجست وأيضًا تمنعت، وبين أخذ ورد حلفوا لها بأغلظ الأيمان بأنهم سوف يردونها وفي أقرب فرصة ومن دون قيمة أجرة التصليح، محبة لأبي مهدي الكريم حسب زعمهم.

اقتنعت والحيرة تلفها، سلمت السلاح لهم ظنًا منها بأنهم ضيوف معروفين وأصحاب مكان.

غادروا وهم يتهامسون، بعد ساعة من الزمن جاء أبو مهدي، ترجل من فوق حماره مزودًا بالأسماك الطازجة، ووجهه متهلل بالفرح قائلًا لزوجته: "اليوم الحضرة خوش شيء، مليانه خير"، ردت عليه: " قبل ساعة جاء أبو يوسف البدوي ويسلم عليك سلام كثير"، وقال: "لي بأن تفگك خربان بيصلحه وقمت عطيته وياه"، بهت الرجل وجحظت عيناه، رمى كل ما في يده، وجه لها كلامًا بنبرة عالية: "انت ويش سويتي ، هلكتينا ، چيفه تصدقي كلام امشع بدوي بر ، أحد يعطي تفگه لأحد، والبوق داير في كل ليلة من هالبداة ، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم"،فطن الحاج "أبو مهدي" إلى كيد البداة وقرأ نواياهم، خاطب زوجته: "يامريم يابنت قمبر ياالله ياالله روحي انت ويا اولادش وبناتش في بيت أهلش في الديرة المحصنة، واتركيني لحالي ، الليلة كاين بيطبوا البدو ، لأنهم شايفين ويش اللي عندي في النخل". ذهبت وهي خائفة عليه لكنه طمأنها بأنه سوف يردعهم بطريقته الخاصة.

أقبل الليل وعند صلاة المغرب تسلل أبو مهدي ما بين النخيل فألفى سرية بدوية محتشدة على امتداد مساحة برودة -جنوب بريد تاروت - رجع حالًا إلى نخله في "الفمين" متحزمًا لحراكهم، وحين هدأ الناس في مساكنهم، أقبلوا وهو يراقبهم من فوق "مسمط السعف" الذي يبلغ ارتفاعه 4 أمتار كان جاهزًا للبيع، لأهل الحضور وأصحاب بيوت الأعشاش، سمع أوامر كبيرهم عند بوابة نخله وهو يوجه زبانيته، نحو زريبة الحيوانات وآخرون باتجاه "چندود التمر" لنهب "تنكات الدبس والقلات " وجزء يتحرك نحو "الفدى" لأخذ عذوق البسر والسلوگ المنثور على "السميم".

وقبل أن يفرغ من كلامه، قفز "حجي مهدي" وأشعل النار في "مسمط السعف"، لحظات أصبح المكان كما النهار، نار عالية حامية، تصلي الوجوه من بعد، وهو يزمجر ويقول: "ياالله إنچان انتوا رجال دخلوا ، لاحطكم واحد واحد في هالنار".

منظر النار وتحدي رجل يلوح لهم بالمنجل، لا يهاب الموت جعلهم في خوف شديد، ارتعدوا وفر كبيرهم وتبعه أزلامه كالجرذان، ومن فرط ارتباكهم ارتطم بعضهم على البعض يتساقطون مرددين: "سواها فينا بن زرع" !

مع بزوغ الفجر قام بقص باقي عذوق النخيل وجمع كل حصاد الصيف، مستجلبًا رجال "القطاعة" بتحميله وبيعه في أسواق القطيف، ومن بيعته الكبيرة اشترى له مسدسًا آخر، تقول والدتي: "الأول ما في رجال يمشي الا حامل اسلاحه حتى يحمي نفسه وعياله" وقد شاهدت وتلمست مسدس والدها، وأيضًا سلاح جدها حجي مهدي، الذي ظل عند جدتها "مخلوگة" إذا تعاركت مع الصغار بنات خالها تخرجه لتخوفهن به.

وتقول لهن: "اذا ماتصيروا عاكلين بافور فيكم الفشگ"-الرصاص-، تهدأ البراءة من منظر السلاح الثقيل وزنًا، وتختبئ عن تهويش الجدة.

فيما مضى هيبة الرجل بسلاحه، إذا خرج من بيته وضعه على ظهره، تحسبًا لأي طارئ، ووضعه في البيت أمان ومن لا يملكه يكون عرضة للمتربصين، أكثر العوائل تملك مسدسًا واحدًا والمقتدرون أكثر، وشكله طويل الحجم صناعته إنجليزية، الفقراء يرونه ولا يملكونه، فهم في مأمن من أعين "الدگاگة"!

أما الأغنياء نسبيًا يضع السراق عيونهم عليهم، يتسللون في جنح الليل، يهجمون كأنهم خفافيش الظلام يمتصون خيرات الغير دون رحمة.

غربت شمس ذلك النهار وحسن آل مطر يمخر عباب البحر قادمًا من القطيف على ظهر حماره، صارع الموج المرتفع عند حدود رقبة دابته، خائفًا من زيادة حالة المد التي ربما ستجرفه بعيدًا عن المسار المتبع، قام وقاوم حتى تمكن من بلوغ اليابسة.

سلك درب "القطاعة" الخاوي من المارة ووصل إلى حمام تاروت وارتمى مع حماره استحمامًا للاثنين دعكًا للأجساد في حضن الماء، نهض على عجل ليسارع دخول الديرة قبل إغلاق البوابة الشمالية الغربية المطلة على الحمام.

دخل براحة بال سالكًا الدرب النازل المتجه شرقًا، وبينما هو يمشي لمح صفين من الرجال عن يمينه وشماله ظهورهم للمنازل، ملثمون، وكل يمسك بقطعة خشب وعصي، وبعضهم بـ"عجرة" وبنادق، ارتاع الرجل وخاف وأمروه بأن يرجع ويغير دربه، فتوجه للدرب الطالع المرتفع، الذي يحاذي قلعة تاروت، وما إن وصل حدود مدخل طريق بيت الجشي الضيق، حتى رأى رجالًا ملثمين آخرين، قالوا له ابتعد عن المكان، فتوجه صوب زقاق حسينية آل شلي، سرعان ما أدرك نواياهم، فطن للمكان المحاصر.

توجه الشاب حسن آل مطر حالًا لرجل مقدام "أبو فزعات"، طرق باب بيت حسن أبو شمله وأجلسه من النوم وأبلغه بأن مجموعة لصوص نبرتهم بدوية، يسرقون الآن دكان محسن سليس -زوج عمة كاتب السطور-، خرج الرجل بسلاحه وصوته الجهوري يملأ الطرقات، أفزع الأهالي الغاطين في نومهم فوق أسطح المنازل، "يا أهل الديرة لا نامت ليكم عين، قوموا كل واحد يحمل اسلاحه البداة طبوا الديرة بيبقوا دكان سليس".

لحظات وتحولت الديرة إلى سباق جري وتنافس، للانقضاض، ركض، وردح وخبطات أرجل من كل الأزقة وطلقات رصاص متطايرة في الهواء أفزعت كل نائم، صراخ النسوة من الشرفات، وصوت رجالات الديرة وشبابها، الذين هبوا من كل الاتجاهات، وحين وصلوا للدكان لم يروا أحدًا من السراق اختفوا في لمح البصر، آثارهم دلت عليهم، أعمدة وفؤوس مغروسة بين ردفتي باب الدكان، لم يسعفهم الوقت للاقتحام.

بفضل من الله ومن نباهة حسن آل مطر وشجاعة حسن أبو شمله، نجا دكان سليس العامر من كل شيء، أحد ممولي سكان الديرة بالمواد الغذائية، أكرم أبو عبد العباس ٱل سليس الرجلين نظير شجاعتهم وشكر جميع الأهالي على وقفتهم البطولية.

عيون البداة مصوبة على مزارع نخيل القطيف وثمة حكايات مأساوية مخبأة في الصدور لم ترو بعد، ما التقطته الأذن قليل وسط الغارات المتلاحقة.

مع غروب شمس كل يوم من أيام الصيف تتوزع المهام، تسند المهمة لشخص أو شخصين لحماية المكان ومراقبة أي تحرك قادم من الغرب.

ذات ليلة أسندت مهمة الحراسة لمزارع الشمال الغربي من جزيرة تاروت للشاب (.....) جد جد أبو عبود القمر، حاملًا سلاحه على كتفه يتمخطر بين دواليب الزراعة برفقة ابنه الصغير.

أصوات الجنادب ووحشة الليل ونباح الكلاب والعواوي وفضاء المكان المفتوح على النجوم، ترهب النفس، وونيس الرجل ابنه نعس وغط في النوم، حمله وأدخله إلى أمه وتغطى معه، تنبهت إليه زوجته فزعة ومتسائلة: "افلان ليش هديت لحراسه قوم اطلع وخلي عيونك صاحية" لا جواب تمتم بكلمات متثائبة "مانا قادر تعبان وراسي داير بانام" تسحبه عنوة من رجله وتقول له: "قوووووم اقعد احرس حلنا وحلالنا لايروح علينا ومال الناس في ذمتنا ، وأصحاب الشر يتقصدونا في ليالي الگيض"، رد عليها متكاسلًا: "كل شيء في حفظ الله ورعايته ما بيصير لنا لا شر ولا ضر".

حين أحست بأن لا فائدة من ترجيها له، خرجت من دون سلاح لأنها لا تعرف كيف تستخدمه، أخذت تتحرك في عتمة الليل تحرس دواليب الزراعة، تتلفت يمينًا وشمالًا، وفي يديها "عجرة" قطعة خشب، وهي تردد بعض الأدعية والآيات لرد أباليس الإنس والجن.

جلست فوق صندوق خشبي كبير معبأ بـ"السلوق" عن آخره وحين انتصف الليل "خلف عتمة" وإذا بيد من خلفها تدفعها بقوة وترميها أرضًا ولم تزل قابضة على العجرة، فزت مسرعة ووقفت لتدافع عن غلة الصيف صندوق "السلوگ"، حاصرها ثلاثة رجال، في أيديهم سكاكين وخناجر، نالوا منها ضربًا بالسلاح الأبيض وهي تضربهم بالعجرة، سال الدم من أكتافها ومن أيديها ومن رقبتها، تضرب وهي تصرخ "يااجاويد الحقوني طبو الدگاگة"، وعلى مقربة منها رجال تجرجر على البهائم من الزرايب، وآخرون يرفعون "گلاة التمر" على أكتافهم، صريخها ومناداتها مع أصوات الحيوانات الطائشة ليلًا، أفزعت رجال الفريق واستنفروا بأسلحتهم، يبحثون عن مكمن الصراخ حين وصلوا عندها جاوبتهم وهي منهكة :"البداة اخذوا قلات التمر وعذوق البسر والحيواين وفروا بعد ماسمعوا صيحاتكم"، حالًا لحقوا بهم وكل في يده سلاحه، وأدركوهم عند بداية "المگطع"، طلقات متبادلة، طاخ طيخ، وميض الرصاص كالشهب توزع الأهالي في مكمن محكم، فريق اقتحم البحر من جانب وآخرون الجانب الثاني، وفريق اندفع في الوسط، فتم حصارهم من ثلاث جهات، ومن شدة الطلق أصابوا ثلاثة من البداة سقطوا على طين المگطع وهم يتصارخون ويأنون، بان العجز على الأعداء تركوا الأبقار والحمير، ففرت مذعورة، نهيق ومواء، وصراخ، فما كان من اللصوص إلا الاستسلام، تركوا كل شيء فقالوا أعطونا الأمان لا تقتلونا دعونا نعود بسلام.

عاد الأهالي الأبطال بعد أن جمعوا حيواناتهم التي فرت في كل اتجاه، واسترجعوا "گلاة التمر" وعذوق الرطب على أكتافهم، ومع تباشير الفجر كل يقبل الآخر على سلامة الأنفس وحفظ العرض والمال.

تقول خالتي زليخة وهي راوية لهذه المعركة الشرسة بأنها سمعتها من أمها وبدورها جدتي سمعتها حين كانت شابة من بطلة القصة ذاتها وعلى لسانها، الحاجية (......) وأثناء السرد تمد يديها الاثنتين برفع الأكمام فتبرز آثار الجروح المحفورة على ذراعيها وأكتافها كوشم مستدام، وتعبر بامتنان، بأن الله وهبها القوة وألهمها الشجاعة وأثنت كثيرًا على شدة بأس الرجال الذين هبوا هبة رجل واحد.

وتختم خالتي بكلمات: "المعزة على هذه الإنسان التي عدتها عن عشرة رجال وتستكمل "أم (......) مرة قوية، ردت قوم، اتصوبت وانضربت، وما تنازلت عن حقها، دافعت عن بلدها، كانوا نايمين لوما هي حرستهم إنچان كل شيء راح"!، لله درك أيتها المرأة البطلة.

لنا عتاب عليك يا بحر حين سمحت للغرباء بالعبور أما تعلم مقصدهم، كم مرة سطوا على أملاك المزارعين ونهبوا ما طاب لهم ومرات رد كيدهم في نحورهم، وآه من قطاع الطرق في الأسفار حكايات تشيب لها الولدان.

أجابت والدتي بفخر: "ديك لسنين ياولدي مافي حكم عدل يطبوا راعيات البر ويبگوا گلاة التمر والسلوگ والحيوانين مايخلوا شيء"، وتستكمل باعتزاز: "رحمك الله ياجدي حجي مهدي يقول : صار لينا الأمان يوم حكم الملك عبدالعزيز ، ٱمنا ، وقبله ماكنا في عيشة".

نعم استقر الأمن على يد المؤسس وعاش الناس في طمأنينة وراحة بال،اللهم أدم علينا نعمة الأمن والأمان في وطننا الغالي، واحفظ ولاة أمرنا، وكل عيد يا وطني وأنت بألف خير.

أوجاع الذاكرة:
تعود تلك الأحداث أيام الرجل المريض، وقرب انتهاء نفوذه في المنطقة، وبعضها حدث نهاية القرن التاسع عشر، قبل أن ترمى الطرابيش في مضيق البوسفور.