سيرة طالب (٦٦)

العناية الخاصة ترفرف
الفاضل الشيخ علي العبود شخصية مميزة منذ عرفته في بداية طلبة العلم، ومن يعرفه يعرف عالما نبيها مؤدبا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى هو مدرس وخطيب وكاتب، وأتذكر أن أول كتاب طبع له - وأنا في قم - هو (رسالة منطقية في الكليات الخمس). ثم طبع له كتب متعددة مثل (الرؤية الكونية الإلهية، الدوافع والمناهج). (محاضرات تمهيدية في الفلسفة). (من أوجد الكون).
أنا شخصيا درسته في حوزة قم درس بمفرده وهو كتاب (مختصر المعاني)، وكان يحضر هذا الدرس كل يوم، لا يتغيب، ولا يتأخر، بكل دقة، وأنا أفتخر به لأنه كان يمارس مايتعلم ويناقش أستاذه.
وبدأت القصة
ولا زال يداوم على هذا الدرس بانتظام، ولكن فجأة صار يتغيب عدة أيام في الأسبوع الواحد ، وصار هذا الأمر يتكرر منه مرات، كما أنه في بعض أيام حضوره يخيم عليه الشرود، وفي صباح أحد الأيام قلت له: إذا كنت تريد أستاذا آخرا فأنا أقول لك لا بأس، ولا يخطر في ذهني شيء، ولا تتضايق نفسي اذا حصلت على المدرس الاكفأ.
فقال لي: استغفر الله لم يخطر في ذهني ابدا تغيير الدرس، ولكن الحقيقة المرة أعترف بأني مريض في هذه الأيام، عندي ورم ...
فاجأني ، فقلت له: في أي عضو من الأعضاء؟
فقال: الدم، وأنا الان منهك وإن كان قليلا، وقد راجعت في هذه الأيام مستشفيين وكررت الفحص مرتين وفي المرتين أقروا بأني مريض فعلا.
قلت له: اذهب الى مدينة مشهد واستشف هناك بالامام الرضا عليه السلام، وهو إن شاء الله لا يخيب من لجأ إليه.
فقال: اعتذر، لاني اتصلت بدكتور في البلد وشرحت له وضعي بالتفصيل فقال لي ضروري أن ترجع فورا إلى الوطن، ويتم علاجك على أكمل وجه.
وكررت أربع مرات استنصاحا مني الى الاستشفاء بالائمة (ع)، وهو يعتذر بأشد ما يكون.
قلت: إذا كان الاستنصاح لا ينفع معك فأنا آمرك بما أني أستاذك.
قال - بعد ما سكت هنيئة - إن شاء الله.
بعد أن تسور حيطان (مشهد) خلسة، لا يعلم بحاله الا الله، وجلس فيها بما يقرب من عشرة أيام، واستغاث استغاثة الملهوف، ومضت الأيام طورا بعد طور ... وأحس بشيء من الراحة والاطمئنان بعد أن لجأ إلى الأمام وكلمه وناجاه، ففتحت له حياة أخرى جديدة.
ذهب إلى مستشفى في مشهد وفحصه، فقال الدكتور: أنت سليم، لا يوجد عندك أي مرض.
فانفجرت السعادةبين ظلوعه، وبدأت الحياة تنبض بهدوء. رجع إلى قم المقدسة، فالتقيته- في أحد شوارعها - واذا هو مستئناس وفرح، فسلمت عليه، وقال لي: فحصت مرة أخرى أيضًا في قم وقالوا لي أنت سليم وقد عوفيت ..
ولم يذهب إلى وطنه، وقد بقي في قم مدرسا وتلميذا، تدب فيها الحياة بعناية خاصة.




