أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

انظري للسماء دومًا

منار عبد الحي · القطيف اليومالخميس 30 نوفمبر 2023، 10:48 ص
انظري للسماء دومًا

في قرية صغيرة، صغيرة جدًا أكثر مما تتخيل، تعيش هنالك آنا فتاة لطيفة في الثانية عشرة من عمرها. مرحة وذكية لكنها لا تحب حياتها مطلقًا، وتحاول العثور على حياتها المثالية مثلما تعتقد.

في أحد الصباحات الهادئة استيقظت آنا على صوت والدتها العزيزة تخبرها أن الفطور جاهز وتحتاج بعض الخبز وعلى آنا أن تجلب بعضًا منه. قامت آنا من على سريرها على مضض بعدما دعكت عينيها الناعستين، لاحقًا بعد أن فرّشت أسنانها بمعجون الفراولة، اتجهت للمطبخ وتناولت سلة الخبز وخرجت من المنزل.

في حديقة المنزل المليئة بالزهور بحثت آنا عن بيسو أرنبها الأليف، وجدته أخيرًا وهو يقضم بعض الجزر، حدثته آنا وهي تمسح على فروه الأبيض المتورد والناعم: "صباح الخير أيها اللطيف، هل أنت مستعد لرحلتنا اليوم؟ هيا لنذهب إذن".

خرجت آنا وأرنبها الصغير برفقتها متوجهين نحو مخبز القرية. في الطريق أخذت آنا تحدث بيسو وهو ينظر لها باهتمام قلّما تجده في عيني من تحدثه من الناس: "أتعلم شيئًا يا بيسو لقد سئمت حقًا من كل هذا، سئمت من الذهاب لمخبز القرية كل صباح، وتنظيف طاولة الطعام بعد العشاء، ومسح نظارة جدتي عندما تزورنا. أود أن أفعل كل ما أشاء من بداية اليوم لنهايته دون أوامر من والديّ. سأبحث عن حياتي المثالية. فهذه الحياة لا تعجبني مطلقًا".

وصلت آنا للمخبز واشترت الخبز والبعض من كعك التوت الطازج. جلست على الرصيف قبالة المخبز وفتحت الصندوق الورقي وبدأت بتناول الكعك. نظرت بجانبها على الرصيف، رأت رجلًا عجوزًا ممسكًا بكتابه، اقتربت منه وقالت وهي ممسكة بقطعة من كعك التوت: "أتود بعض الكعك؟"، قال: "شكرًا جزيلًا لك، إنها تبدو شهية"، قالت: "نعم إنها كذلك، ماذا تقرأ؟"، فقال: "أتقصدين هذا الكتاب؟"، قالت: "نعم"، أجابها: "إنه أحد الكتب الفريدة في هذا العالم"، سألته: "ماذا تقصد؟"، فرد: "هذا الكتاب يساعدك على العثور عما تبحثين عنه في هذه الحياة"، فقالت: "أنا أبحث عن الحياة المثالية".

راح الرجل العجوز يضحك بلطف حتى بان بياض أسنانه وجمال ابتسامته وقال لـ آنا "وما هي الحياة المثالية في رأيك يا صغيرتي؟"، قالت: "أن أفعل كل ما أشاء وأن أمتلك كل ما أريد وألعب قدر ما أشاء دون أوامر الراشدين المملة"، قدم الرجل العجوز الكتاب لـ آنا قائلًا: "أنت محقة، إن الراشدين يكونون مملين أحيانًا، خذي هذا الكتاب فربما تجدين فيه ما تبحثين عنه بين صفحاته"، سألته: "أهو قصة؟"، قال: "ربما"، قالت: "أنا أحب القصص، وخاصًا عندما ترويها لي والدتي قبل النوم"، قال: "هذا رائع! إن رواية القصص من أهم وأقدم الوسائل لنقل التجارب والمعارف بين البشر"، قالت له: "شكرًا لك سيدي، أنت لطيف للغاية" قالتها آنا وهي تغادر بسعادة وبين يديها الكتاب وسلة الخبز، "انظري للسماء دومًا يا صغيرتي"؛ قالها العجوز بصوت عالٍ، ثم قال في سره: "إنها فتاة طيبة وذكية، ستدرك ذلك قريبًا".

بعد الإفطار هرعت آنا لغرفتها متشوقةً لقراءة الكتاب. جلست على مكتبها المضاء بضوء أباجورة صغيرة، وفتحت الكتاب! إنه فارغ كليًا، لا شيء، لا شيء على الإطلاق. بحثت آنا مجددًا لكن لا جدوى من ذلك. إنه لا يحوي حرفًا واحدًا. حدثت آنا نفسها قائلة: "لا شك أن السيد العجوز قد أعطاني الكتاب الخطأ، لا يعقل أن يكون هذا هو الكتاب الفريد. سأذهب غدًا للمخبز وأبحث عن العجوز وأخبره بذلك".

في صباح اليوم التالي، استيقظت آنا بكل حماس وكالعادة فرشت أسنانها وأخذت سلة الخبز وذهبت للمخبز برفقة الأرنب الصغير. عند وصولها للمخبز لم تجد الرجل العجوز، سألت عنه صاحب المخبز، ولكن لم يره هو ايضًا. أخذت آنا تفكر فيما يجب أن تفعله، وقالت: "أنا لا أفهم ماذا يعني هذا! أين ذهب العجوز ولماذا أعطاني كتابًا فارغًا؟ لحظة، ماذا كانت آخر الكلمات التي أخبرني بها، أنظري للسماء دومًا" نظرت آنا للسماء كالبلهاء لكنها لم تجد ما هو مريب. ظلّت آنا تتأمل زرقة السماء وجمال الغيوم وكأنها تنظر للسماء لأول مرة في حياتها. بعدها صرخت بأعلى صوتها: "وجدتها، وجدت ما أبحث عنه. يا لي من ساذجة. الكتاب ما هو إلا خدعة للتمويه، ما أبحث عنه هو لدي حقًا"!

سعت آنا للبحث عن الحياة المثالية التي رسمتها في مخيلتها، ولكنها أخيرًا أدركت أن الحياة التي تبحث عنها هي نفسها الحياة التي تعيشها. الفرق فقط أنها كانت تعيش في مخيلتها والآن عادت لعيش واقعها بعدما أدركت الحقيقة. وأنه لا يوجد هنالك ما يسمى بالحياة المثالية أبدًا. نظرت آنا حولها واستشعرت النعم التي منحها الله لها والتي لم تعرف قيمتها سابقًا. ووعدت نفسها بأن تبتسم للحياة دائمًا وتجعل من التفاصيل الصغيرة سببًا يبهجها، وأن تحب وتتقبل كل ما لديها وتنظر للسماء دومًا.