أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

صانع المسامير

جلال الناصر · القطيف اليومالأربعاء 6 ديسمبر 2023، 11:09 م
صانع المسامير

رمى بمجموعة من قطع الحديد في القالب الفولاذي، ثم نهض من مكانه ليضعه فوق كومة من الجمر، وما هي إلّا ساعة حتى ذاب الحديد، ثم أمسك بطرف القالب وراح يسكبه على مجموعة من الأقماع التي أخذت شكل مسامير، وبينما كان الحديد يبرد، ذهب ليشعل سيجارة يتأمل حركة الغيوم في الأفق، وما هي إلّا ساعة أخرى حتى نزع المسامير من القوالب.

لقد كنت أراقبه بهدوء، وفي تلك اللحظة تذكرت النبي نوحًا -عليه السلام- حينما كان يصنع الفلك كي ينقذ العالم من الطوفان، ثم نظر نحوي ورسم ابتسامة هادئة على شفتيه وأشار بيده نحو أداة حادة كانت على الرف الذي كان خلفي. ناولته إيّاها، فاستخدمها كالقلم ينحت به على كلّ مسمار عباراتٍ كان قد حفظها عن ظهر قلب.

حاولت الاقتراب منه لمعرفة الأشياء التي كان ينحتها، فلم أستطع تبيّن حقيقتها أو فهمها؛ لدقّتها، وإذا بذلك الرجل يقول بصوت جهوري: كلّ مسمار هنا يُشكّل جانبًا في حياة الإنسان، ثم رفع مسمارًا وقال: هذا هو جانب العرف والتقاليد. أعاده إلى مكانه ورفع الآخر قائلًا: وهذا المسمار يمثل الجانب الدّيني. وهكذا صنّف كلّ مسمار إلى جانب محدّد من جوانب حياة الإنسان، ثم جمع المسامير في صندوق خاص ونهض من مكانه، وأشار إليَّ كي ألحق به.

انتقلنا إلى غرفة أخرى فوجدنا رجلًا يحتضن طفلًا. حيث نهض الرجل وسلّم الطفل لصانع المسامير. بعد ذلك عدنا إلى الغرفة الأولى، وإذا بالرجل يمسك بالطفل ويساعده على الاستلقاء على السرير. مدّ يده نحو ذلك الصندوق وراح يخرج أحد المسامير ممسكًا بيده الأخرى مطرقة ضخمة ليثبّت طرف المسمار على جمجمة الطفل ويهوى بمطرقته على ذلك المسمار وكرّر العملية عشرات المرات.

لما تأكد أنّ كلّ المسامير غرست جميعها، سلّم الطفل إلى والده قائلًا: تفضّل، لقد ثبّت كلّ المعتقدات التي طلبتها في جمجمته. وإن فكّر في تغيير أيٍّ من معتقداته، فسيشعر كأنّ أحدًا ما يحاول سحب المسمار. حينها سيشعر بألم يقصم ظهره.

وبمجرّد خروج الرجل ممسكًا طفله بيده، بقيت جالسًا مع صانع المسامير وسألته: أهكذا يتم غرس المعتقدات في عقولنا؟!
فأجابني وهو يضحك: يعيش الإنسان مخدوعًا طوال عمره.
سألته: كيف يكون مخدوعًا؟
أجابني: أنا وأنت لا نستطيع أن نعيش بعظام غير عظامنا؛ لأنّنا ولدنا بها، وليس بوسعنا تبديلها.

أما المعتقدات فهي المسامير التي ركزت فينا، وجعلوها جزءًا منّا، كحال العظام في أجسامنا. وسحب المسامير مؤلم حتمًا. ولكن تأكد أنّها مجرّد خدعة، ثم استدار وراح يمشي قائلًا: عليك بالأداة المناسبة لسحب المسامير.