ابتسامة المنتصر!

نساء، أو رجال توقف الزمن عندهم؛ لتمر أعمارهم بإدراك بسيط متواضع، وبأحلام الطفولة، وقلوبهم أوراق ورد ندية.. لا يفكرون في آلام الماضي، ولا يمتلكون تخطيطًا لغدٍ يكفيهم من الحياة اللحظة الآنية.. أجل فئة مختلفة عن عالمنا؛ فلا غيبة ولا حسد، ولا ضغائن يحملونها لأحد يشوه عالمهم..
منفردون في مزاياهم هؤلاء الفئة من البشر حقًا ملائكة تمشي على أرضِ واقعنا. هم ذوو (الاحتياجات الخاصة) ممن لديهم تأخر عقلي، ويبهروننا بشيء من الإبداع إذا توفرت لهم العناية الخاصة بحسب البيئة الأسرية التي وجدت فيها كمتلازمة الحب (متلازمة الداون)، وبشفافية قلوبهم، ونقاوتها يمتلكون التمييز لمن يحمل لهم مودة، واحترامًا، فيميلون إليه، ويبوحون بما يختلج في مكنونات قلوبهم النقية المتواضعة عنده من حب، وانتماء..
وتزدان المنازل التي كتب لها الباري ولادة هكذا ملاك، وضيف جميل في الأسرة أن يفيض من بركاته، ورحمته على هذه الأسرة؛ لوجودهم فيه، كما أن من تعويضاته، ورحمته سبحانه لوالديهم، وإحاطتهم بدفء أسرة يعيشون في كنف إخوة أذكياء مبدعين، ولهم مكانة اجتماعية، وعلمية مميزة لها شأنها في المجتمع..
هذه الأرواح الملائكية التي أفاضت علينا من قلوبها الجمال كله، ومنحتنا طاقة جميلة مريحة قريبة من القلب، فيوم رحيلها مؤلم، ولا يخفف هذا الفراق إلا يقيننا بأنهم قطع من الجنة، ونهايتهم إليها، وتظل الذاكرة تحمل إليهم من الجمال الشيء الكثير، فلا تمحى بسهولة.. أجل، وهكذا يوم رحيلك الذي مر عليه عامان، ولا زال مرسومًا في ذاكرتي مع تلك الابتسامة التي استقرأت فيها ابتسامة المنتصر!!
فقد ودعت الكثير من الأحبة لم أر مثلها ابتسامة فيها قرة عين بعد معاناة طويلة مررت بها في حياتك ابن أختي الحبيب محمد علي (أبي جاسم).. ابتسامة غير معهودة عما كانت عليه في حياتك، وأنت مسجى على المغتسل في لحظاتك الأخيرة ليوم مواراة جثمانك، ومراسيم توديعك تذكرت فيها قبل رحيلك بشهور، كلما راودتني أفكاري في الكتابة إليك أبحرت بمخيلتي، والكتابة في تفاصيلك، ورؤيتك مهرولًا بخطى ثقيلة ليوم مطير، ونهاية خطواتك شروق شمس يومك مع نسماتٍ عليلة منعشة، أو معاناتك في صحراء بخطوات مرهقة؛ لأشعة الشمس الحارقة بنهاية أرض عشبية خضراء جميلة كما أتذكر حكايتك مع إحداهن، وهي تسرد حكايتها معك بعد رحيلك لوالدتك.. عند مصادفتها لك في المقبرة غير مصدقة بما تسمع عنك عمن يتحدث عن مهاراتك في معرفة مواقع قبور أحبتهم، فأرادت اختبارك لموقع قبر أخيها حقًا ستستدل عليه، وتوصلها إياه! وأنت ما عليه من إدراك بسيط، وعقلية متواضعة، فأخذت مناداتك؛ لتساعدها على ذلك؛ لتفاجئها بالموقع!!
وكيف لا تعرف ذلك، وما من متوف من المؤمنين في ذلك اليوم إلا وأنت معهم وظفت نفسك لذلك، وتواجدك في المقبرة يوم الدفن لكل مؤمن، ورحيلك بكل هدوء، وصمت من دون معاناة مرض من رحمة الباري بك، ولطفه.. فهنيئًا لك هذه الخاتمة، وهذا النعيم.



