أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الاختيار

هدى العوى · القطيف اليومالأحد 24 ديسمبر 2023، 3:56 م
الاختيار

بالرغم من أن روحه تتأرجح بين نشوة السعادة والقلق لكنه شعور لذة التفاؤل بأوجها تشعل حواسه، وتهز أوتار قلبه آملًا أن يطير بهما إلى سماء البهجة والفرح.

يتحين فرصة اجتماعه الأسبوعي على الغداء مع والديه ليخبرهما بترنيمة عواطفه وإعجابه بزميلته التي طالما تمنت أمه أن يرزقه الله بعروسة مثلها.

بكفوف الرجاء يرفع طرف عينه مناجيًا رب السماء بأن يحقق له ما يتمناه وقبل أن يرفع سجادته من على الأرض سمع طرقات خفيفة فهمس قلبه فرحًا وبصوت يملؤه الفرح؛ تفضلي يا أمي، فسبقته بالدخول، وقف بقامته الطويلة وابتسامته المشرقة تبدو على محياه، انحنى بقبلة دافئة على جبينها واحتضنها، ما أشعرها بالاندهاش ولمعت عيناها قائلة: تبدو غريبا هذا اليوم يا مراد وكأنك منذ زمن لم ترني! ازدادت ابتسامته اتساعًا قائلًا: ستعرفين السبب بعد قليل وبحضور والدي يا أمي وستسعدين مثلي وأكثر. بدت على وجهها ابتسامة ممزوجة بالقلق قائلة: أرجو أن تخبرني فلا طاقة لي على الانتظار. وقبل أن يرد عليها سمع صوت أخته جنان تخبرهما بوصول والده وأن سفرة الغداء جاهزة.

وضع ذراعه حول كتفها وأعاد تقبيل جبينها وهو يشير إليها بالتقدم وكأنها إحدى الأميرات مما زاد في شدة اندهاشها وحيرتها. كان والده وأخته جنان قد أخذا مكانيهما في الجلوس حول مائدة الطعام، اقترب من والده وقبّل جبينه فكان اندهاشه لا يقل عن اندهاش والدته! جلس بقرب أخته لكنه شارد الذهن ويبدو عليه بعض القلق! سألته جنان: هل أسكب لك بعض الشوربة؟ فلم ينتبه لسؤالها فكانت الفرصة لأمه بأن تشجعه على بث ما في نفسه من كلام قائلة: أين الخبر السعيد يا جهينة؟ بدا على جنان ووالدها الإنصات وتبادل النظرات لمعرفة ما تقصد. لينتبه مراد من شرود عقله فعادت ابتسامته على وجهه قائلًا: سأحقق لكم أمنيتكم وسيطرق الفرح باب بيتنا! وضعت جنان ملعقتها على الطاولة واصفر وجهها تسمع بقية ما يقول.

وقال: سأوفر عليكم مشقة البحث لي عن عروس يا أمي لقد تعرفت على فتاة من أفضل الطبيبات والزميلات لي في المستشفى. إنها كالملاك تمشي على الأرض، تملك كل مقومات الجمال والأخلاق والأدب وفن المعاملة مع المرضى، إنها حلم لكل شاب يتمنى الارتباط بها.

بدا على وجهي والديه الانشراح مما شجعه على الاسترسال في ذكر بقية مواصفاتها! لكن أخته جنان مازالت تلوذ بالصمت بعد أن وضعت ملعقتها في صحنها وكأنها فقدت شهيتها لتناول الطعام. بينما هو توهج وجهه فرحًا واتسعت ابتسامته وهو يعدد لوالديه محاسن زميلته. فانتبه للحظة وقد عم الصمت المكان فشعر ببعض التوتر وهو يرى والده يأكل بشراهة ومسلط نظره في صحنه دون أي اهتمام لما يقول بينما والدته ترتشف ملعقة الشوربة بهدوء الذي يسبق العاصفة، شعر بخيبة الأمل وبرود مشاعر من حوله فصمت قليلًا عن الكلام قبل أن يسأل أمه عن رأيها لتجيبه: لقد عرفتنا على من نالت إعجابك وحازت على رضاك لكن لم تذكر لنا اسمها وحسبها ونسبها ومن أي منطقة تكون. عادت الابتسامة لثغره وهو يخبرها: اسمها نقاء وهي اسم على مسمى بنقاء روحها وطيبتها، وهي من عائلة معروفة بالالتزام والأخلاق الطيبة، وقد بحثت عن كل تفاصيل حياتهم بواسطة دكتورة خلود التي لم تبخل علي بأي معلومة عنها.

لتجيبه: ومن هي الدكتورة خلود؟ ليرد عليها بحماس: إنها مديرة القسم الذي نعمل به. وإنها قريبة منها وصديقتها رغم تفاوت العمر بينهما. لترد عليه بصوت تملوه الجدية: إذًا أنت اخترتها وقررت خطبتها فلماذا تريد رأينا؟ ارتجفت مشاعره وبهتت ابتسامته ليجبيها: أنا فعلًا معجبٌ بها وحاولت التعرف على شخصيتها وكل ما يحيط بها لأوفر عليكما البحث والسؤال يا أمي ولكني لم أفكر بأي تقرب لها أو حتى معرفة رأيها قبل استشارتكما ورضاكما قبل كل شيء. لترد عليه بصوت أكثر حزمًا: أنت تعرف رأينا نحن عائلة مرموقة ومعروفة ويجب أن يكون اختيارك مناسبًا للعائلة من حيث حسبها ونسبها، وكل ما ذكرته عن زميلتك جميل، ولكن اسم عائلتها غير معروف في المجتمع كما نحن لنا صيت واسع ووجاهة اجتماعية معروفة ويجب أن يكون اختيارك مناسبًا لاسم عائلتنا ولا يقل عن مكانتنا المادية.

وضع يديه حول رأسه وشعر وكأنه سيخوض حربًا ضروسًا مع والدته فأجابها: أرجوك يا أمي أن تفكري في مشاعري قليلًا فاختيار الزواج مصيره في غاية الأهمية ومعاييره الصحيحة هي المنبت الطيب، والالتزام الديني، والأخلاق الفاضلة هما أساس السعادة وحفظ العائلة والمنبت الصالح لتربية الأولاد واستقرارهم. وليس فقط معيار الماديات والأحساب الرفيعة يا أمي. ونظر لوالده وهو يمسح فمه بالمنديل قبل أن ينهض من على كرسيه وكأنه يحاول الهروب ليوجه سؤاله إليه: وأنت يا والدي لم أسمع رأيك بشيء؟ ليرد عليه دون النظر في وجهه: فليكن الاتفاق مع والدتك وأنا سأوافق على ما تختاران وسأوفر كل ما تحتاجه من الأموال والسكن المناسب لاستقرار حياتك الزوجية. ليرد عليه: لكن يا أبي إنني أحتاج إلى رأيك وحكمتك في اختياري وليس فقط في توفير المال!

وقبل أن يرد عليه، خرجت جنان عن صمتها ووقفت وقد احتقن وجهها حمرة وتناثرت دموعها على خديها وبصوت مبحوح قائلة: لو كان لوالدي رأي لما كنت أنا هنا الآن وقد قارب عمري على الأربعين وأمي مازالت تنتظر العريس ابن الحسب والنسب الذي يحوز على رضاها. أتمنى يا أبي يكون لك رأي سديد في حياتنا ككل الآباء وتشارك أمي في قراراتها المصيرية في حياتنا وتمسك معها زمام الأمور. وأنت يا مراد ستكون سعادتك مرهونة حسب اختيارك والبحث عما يرضي والدتنا ذات الحسب والنسب.

أصاب الجميع الاندهاش مما تفوهت به جنان وكأنها أخرجت حممًا بركانية كانت تجثو على قلبها منذ سنين، لكن والدتها لم تتأثر بما قالته بل بدت عليها الصلابة وقوة الشخصية قائلة: وماذا ينقصك وأنتِ هنا يا جنان؟ أليس وجودك بهذا العز والدلال أفضل من أن تتزوجي رجلًا أقل منك شأنًا وتعيشين بقية حياتك تندبين حظك العاثر على سوء اختيارك؟ أدركت جنان ما تصبو إليه أمها عندما رأت والدها منكسًا رأسه دون كلام وكأنه المعني بذلك!

فسلطت نظراتها الحادة نحو مراد قائلة؛ ابنة خالتك مرام طبيبة مثلك وجميلة وأنا اخترتها لك ولكني أنتظر إخبارك في الوقت المناسب للتقدم لخطبتها ولتنسى زميلتك الدكتورة نقاء. فأجابها وهو يكاد يتفجر غضبًا إنني أعرف ابنة خالتي جيدًا يا أمي لقد تربينا مع بعضنا ولكني لم أنسجم يومًا معها إننا مختلفان تمامًا في أفكارنا وميولنا واهتماماتنا، فلا شيء يجمعني بها غير قرابة النسب، فلتعلمي يا أمي ومع كل احترامي أني لو اخترتها لإرضائك ستحكمين عليها بالظلم والتعاسة لأني سأكون معها فقط بجسمي ولكن قلبي وروحي في مكان آخر.

ارتفع صوت هاتفه بنغماته المتكررة لكنه يحاول تجاهلها فلا شيء مهم لديه غير انتصاره في إقناع والدته بمن تربعت على عرش قلبه، ولن يستسلم لرغبتها مهما طال به الزمن، ومع تكرار الاتصال شعر الجميع بالقلق، فبادره أبوه وهو يغادر المكان ويبدو على وجهه الانكسار: فلتجب على هاتفك ربما يكون هناك أمر مهم أو مريض يحتاج
مساعدتك!

أيقظته كلمات والده للتخفيف من غضبه وأمسك هاتفه، فاتسعت عيناه اندهاشًا من وجود أربع مكالمات من الدكتورة خلود، فأعاد الاتصال بها بسرعة البرق، فكان صوتها كالصاعقة نزل على جوارحه وتصبب جبينه عرقًا وشعر أن الأرض تلف به وانعدمت قدرته على التوازن والوقوف وهي تزف إليه خبر إتمام عقد الدكتورة نقاء على الاستشاري الدكتور علي ليلة أمس.