خرابيش مريض 24.. سنة حلوة يا مريض

في مثل هذا اليوم (آخر يوم من السنة الميلادية) من عام 2002 كنت على السرير الأبيض في مستشفى من أرقى المستشفيات في المملكة وكانت ممرات المستشفى وجوانبه وغرف المرضى في مثل هذه الليلة تتزين لاستقبال السنة الجديدة.
الجميع وخاصة الممرضات ينشرن الورد والابتسامات في وجوه المرضى.. العاملين والعاملات.. الموظفين والموظفات.. الكل بوجه طلق مبتسم.. ما عدا الأطباء الكرام فإنهم مشغولون بما هو أهم من ذلك!!!
Happy New Year تسمعها من الجميع، لكن كان هناك مريض تُهدى له الابتسامات على طبق من حلوى.. فهذه تضحك معه وتلك تقدم له باقة ورد وأخرى تعطيه قطعة كعك ورابعة تقول له سنة حلوة يا جميل (بلكنة عربية بالكاد أفهمها). وأخرى.. وأخرى..
كم تمنيت أن أكون مكان هذا الشاب المحظوظ!.. كم تمنيت أن أحظى ولو ببعض الابتسامة التي حظي بها!.. كم تمنيت أن يُقال لي ما قيل له!.. خاصة أنه لا يفصل فراشه الأبيض عن فراشي إلا ستارة أرق من..
لكن.. لكن محمد لم يقابل تلك الابتسامات بمثلها.. بالكاد يرد عليهن.. يبتسم لكنه يخفي وراء هذه الابتسامة آهات وآهات.
محمد.. كم أنت شاب محظوظ! كم أنت شاب محبوب! كلهن (الممرضات) يعاملنك وكأنّك أخوهنّ الصغير.. ضحك وقال: بل ولدهنّ الصغير.. أنا أيضًا أحبهنّ كما يحببنني وربما أكثر فهنّ جزء من عائلتي..
جزء من عائلتك؟ كلهنّ…؟ نعم.. نعم.. يستحققن ذلك.. لي معهنّ قصص وحكايات كلها تجعلني أحبهنّ.. نعم أحبهنّ من أعماق قلبي.. ولكن..
إذا حل رأس السنة وأنت في بيتك…بين إخوانك…بين أحبتك…بصحة وعافية…فاعلم أن ذلك نعمةٌ كبرى…نعمة مجهولة…لا يعي قيمتها إلا محمد وأمثاله ممن هم الآن على السرير الأبيض….
روي عن الإمام زين العابدين -عليه السلام- في زبور آل محمد (الصحيفة السجادية): "فَآلاؤُكَ جَمَّةٌ ضَعُفَ لِسانِي عَنْ إحْصائِها، وَنَعْمآؤُكَ كَثِيرَةٌ قَصُرَ فَهْمِي عَنْ إدْرَاكِها فَضْلاً عَنِ اسْتِقْصآئِها" وقال تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم) نعم….النعم المجهولة كثيرة كثيرة.
في مثل هذه الليلة هناك الآلاف….عشرات الآلاف…بل ملايين مثل محمد…يبيتون على السرير الأبيض…والله أعلم بحالهم…
لِـمحمد…ولأبي محمد…ولجميع من يبيتون هذه الليلة على السرير الأبيض نقول لهم جميعًا….سنة حلوة يا مريض.
أخي الأصغر محمد لم تجبني….نعم لم تخبرني بالقصة….بالحكاية بل الحكايات كما تقول بينك وبينهنّ ….هل لك أن تحكي لي بعض هذه القصص؟
أخي أبا محمد…متى تبدأ رأس السنة؟
ضحكت…غدًا….
إذن، غدًا نبدأ القصة من بدايتها….



