لكنَّها لم ترحل.. 30

تغيرت مُعاملتهُ معها، أصبحت أكثر جفاء، استحضرتْهُ في ذاتها، توجهت إلى هاتفها المحمُول، أصابعها تُلبي نداء ما يجول في خاطرها، فتحت بريدها الإلكتروني، شيٌ ما يهمِسُ في حواسها، يُخبِرُها بأنَّ هذا وقتهُ، كلماتهُ في انتظاري، كيف لها أن تُمارس فعل الجاذبية، شيءٌ لا يُرى، إلا أن جاذبيتَهُ، تأخُذني بين ذراعيها؛ لأستظلَّ من وهج الحياة، يكفيني أن أصغي إليه، ليسكن في ذاتي أكثر.
هكذا هو، كلَّما أحست بضيق، والدُّنيا ضاقت في عينيها، يجيءُ هو، كيف ينتشلها من هذا الضياع عبر حُضوره المُفاجِئ، القادمُون بغير ميعاد غالبًا ما يكُون حُضورهم، كقوس قُزح، يُضفي لمساتهُ ضفَاف بهاء. فتحت عينيها، كابتسامة الصباحات النَّدية، فعلًا وجدت رسالة تتصدَرُ بريدها الإلكترُوني، كانت في الأعلى عنوانُها: أنتِ بين أمرين كلاهُما تشُوبَهُ المرارة.
إنَّ الثقة في غير محلها نتائِجُها تأتي مُصيبة حتمية الحُدوث، تأخُذنا إلى الهاوية، إذا لم يُدرك المرءُ ذلك، وهذا ما أنتِ عليه، الآن، وعليكِ التمسُكِ بالإدراكِ سبيلًا، وطريقًا لا تنحني عنه مهما يكُن قيد أنمُلة، ليكُون رفيقكِ.
وقد تقُولين من أين لي كُلّ هذه المعرفة بكِ، وكأنّٓني أسكُن ذاتكِ، وأتحسَسُ جُدران غُرفتكِ، كأنتِ، أم تُراني أراقِبُكِ كظلّي، لا ألومكِ على طرح هذه الأسئلة، والتي أعرِفُ بأنَّك تطرحينها دائمًا على نفسكِ، وفي هذه اللَّحظة تلِجُّ عليكِ، كمحراث زرع في يدي مُزارع استيقظ مُبكرًا؛ ليُمارس عمله في بُستانه.
من حقكِ ذلك، ولو كُنْتُ مكانكِ، لرُبما كانت هذه الأسئلةُ وأكثر، هي أسئلتي المُلحَةُ على نفسي: لتسلبني النَّوم.
نحن مهووسُون بالسُّؤال، فالمعرفَةُ هي ضالةُ كُلّ تائه في أحلام ما قبل الحقيقة.
قالت في نفسها، وهي تقرأ كلماته: لماذا كلماتهُ، وكأنَّها أحجيَةٌ تشدُّني، كعاصفة كي أبحر في التفكير فيها بعُمق فيلسوف لا همَّ له سوى التَّفكُر، والبحث عن الأسباب غير الظاهرة؛ ليكتشفها، ويُدخلها إلى الواقع الظاهر عبر أشكال هندسية كما يُريْدُها أن تكُون.
داهمتها رغبَةٌ في أن تكتُب له ما لا تبُوح به لأحد، أن تفتح شُرفة ذاتها، تُخبرَهُ بعلاقتها الميتَة بزوجها؛ لعلهُ يستطيع أن يُترجم تصَرُفاته، أن يتنبأ بشيء من مُستقبلها معه، أن يختصر المسافات في عينيها، فكلَّما مَّرت الأيام تزدَادُ اختناقًا، ما أصعب أن يلجأ الإنسَانُ إلى الصَّمت بلا رغبة تُشتهى بقدر أنَّه مُرغَمٌ عليه.
لم تكتُب شيئًا، فضلت أن تتعتق كلماتهُ داخلها لوقت، هي أنفاسُها، لا تعلم إلى أيّ رقم هذا الوقت في عقارب السَّاعة، تتعتق كلماتهُ في داخلها، تستحضِرُ الخيال على إثرها، وتنسِجُ حكاية لها البُعد عن واقعها المُؤلم؛ لتشعر بالسَّعادة.
لا يكُون الخيَالُ مسلكًا يتبعهُ الكُتاب في الشأن الأدبي، ولكنَّه ميزة يتمتَعُ بها الإنسان عن سواهُ من المخلوقات، ولهذا الخيال القُدرة على تغيير حياة الإنسان النَّفسية، والتي تُؤثِرُ على حياته في مُجملها، لذا يُنصَحُ بالتَّخيل للأشياء التي تبعَثُ على البهجة، كذلك التي يهفُو الإنسان إلى تحقيقها في الواقع، والمعنيَةُ بالأمنيات الحُبلى، نعم، تخيل ما تُريْدُ وسيتحقق، وإن لم يتحقق فقد كسبت حالة السَّعادة، والتي ستنعكِسُ على حياتك.
إنَّها تستأنِسُ لهذا الصوت الداخلي، والذي يأتيها كلَّما قرأت له.
قالت عبر غيْبُوبة الحسّ: أتُسافِرُ كلماتي إليه ذات يوم، أم يلمَسُ جراحاتي بطريقة ما، تُشبِهُ هذا البوح، الذي أرهقني استمطار معانيه.



