أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

أصناف نخيل غير جيدة.. ومحترمة...!

حبيب محمود · القطيف · القطيف اليومالأربعاء 25 أكتوبر 2017، 11:37 ص
أصناف نخيل غير جيدة.. ومحترمة...!

ـ حيرة الفلّاحين بين الجودة والرداءة أنتجت أصنافاً خاصة.

ـ دعيدع، شكيري، كعبي، خرچانة، سلس مدني، سلس حُر، سلس شَرْيَهْ، بيّاضي، سلس بن عبّاس، سلس نويس.

وسط نخلٍ شبه مُهمَل، يحمل اسم "زعفرانة"، تنتصبُ النخلة الوحيدة التي عثرنا عليها لتوثيق وجود صنف نادر اسمه *"دعيدع"* في محافظة القطيف. بعد تكرار السؤال عنها على عشرات الفلّاحين؛ دلّنا عليها مزارع من بلدة الجش، واصفاً موقع "زعفرانة".. آخر نخلٍ يمين مخرج البلدة، في طريق إسكان القطيف...!

كانت نخلة مهيبة، فارهة السعف، ناضجة الأنوثة. كانت أجمل من اسمها المخيف، ورطبها الرديء الذي وجدناه مصروماً ومنشوراً...!

ارتبط اسم "دعيدع"، في القطيف، بموروثٍ خرافيّ يدّعي وجود شبحٍ يتنقّل بين رؤوس النخيل في حلك الليل، ويقذف الناس بالكرَب. ويقال عنه إنه "يتلون ويتراءى للناس، مرة فلاحاً يبط كرباً، وتارة ناراً، وتارة نقوداً، ومرة حماراً يُركب، فإذا غاب عنه راكبه، تحول إلى حمل يُحمَل، بعد أن كان يَحمِل".*

بيد أن الفلّاحين عرفوا "دعيدع" صنفاً من الرطب أيضاً. وقد وثّقه عبدالجبار البكر** ، ضمن نخيل الأحساء فحسب، باسم "دعادع". إلا أن كبار السنّ من فلّاحي القطيف يؤكدون وجوده "التاريخي" في سيحاتهم، باسم "دعيدع"..!

مع ذلك؛ لم أجد منهم مَن يضعه بين "الأصناف"، بل يعدّونه ضمن "السلوس" الأقلّ درجة من الأصناف. وكلمة "سلوس" جمع لكلمة "سِلْس". وتعني ـ في القطيف ـ النخلة البذرية التي نشأت من نواة، ولم يكن ثمرها طيباً. وتفرض التقاليد الزراعية الموروثة التخلُّص، أولاً بأول، من كل نبتة نخيل تنشأُ عن نواة وهي في بداية نموّها، حتى لا تتخالط السلالات وتضيع أنساب النخيل.

بيد أن بعضها يُترك سهواً، أو كسلاً، أو على غير مبالاة. وفي سنّ الإثمار؛ قد يُؤتي ثمراً طيباً. عندها تُوصَف النخلة بـ "الخُصبة"، ويُعتنَى بها، ويُحافظ على "بناتها" من الفسيل النابتة فيها، وقد تُغرَس "البنات"، التي ـ بدورها ـ تكبر وتُنتج بناتٍ. وهكذا تتكاثر، وتُمنح اسم "صنفٍ" محترَم..!

أما إذا كان ثمرها رديئاً؛ فإنها تُوصَف بـ "السلس"، فتُهمَل، ويُخصص ثمرها للعلف. ولا تُغرس "بناتها"، ولا يُكثرون منها، ولا تُمنح اسماً، كما هو حال "الخصبة". بل إن أكثرها لا يُخدم ولا يُرعى..!

ويبدو أن لدى الفلّاحين القدماء منزلةً بين المنزلتين، مستوى مقبولاً بين "الجودة" و "الرداءة". هذا التقييم شبه القياسي جعلهم يهتمّون بأصناف من "السلوس"، ويُكثرون منها في حدودٍ محدودة من الاحتياجات غير التجارية، مثل احتوائه بعض الدبس، أو كونه علفاً وفيراً.

بعض هذه الأصناف يحمل صفة "سلس" قبل ذكر اسمه، مثل: سلس مدَني، سلس حُر، سلس شَرْيَهْ، سلس بيّاضي، سلس بن عبّاس، سلس نويسي (أو سلس نويس). لكن بعضها يحمل اسماً واحداً دون ذكر صفة "السلس"..!

و "دعيدع" واحدٌ من قائمة "السلوس" الواقعة بين منزلتَي "الجودة" و "الرداءة". صحيحٌ إنه لا يحمل صفة "سلس" قبل اسمه، لكنّ الفلّاحين يميّزون "سلسيّته". مثله مثل: شكيري وكعبي وخرچانة.

بل إن من الفلّاحين من يعدّ "الماجي" ضمن السلوس، فهو لا يؤكَل رطباً مباشرةً من نخلته، بل يحتاج إلى معالجة تُسرّع نضوجه بعد خرافه. إنه أولُ الأصناف نُضوجاً، ما يجعل الإقبال عليه استجابة لشهوة الرطب، وهذا هو سرّه الاستهلاكي المحلّي الراهن. وإلا فإن جودته الحقيقية لا تتجاوز جودة العلف. لذلك؛ يتخلّى الناس عن تناوله؛ بمجرّد نضوج خلفه، صنف "البكيرة"..!

نخلة "دعيدع" وثمرها، في نخل "زعفرانة"، بلدة الجش، القطيف السعودية. 9 أغسطس آب 2017. تمّت الزيارة برفقة فتحي عاشور وصبحي الجارودي.

--
* انظر: اللهجات المحلية في الخليج.. اللهجة في القطيف مثالاً، الحلقة 11، السيد شبر علوي القصاب، مجلة "الواحة"، العدد 32.
** نخلة التمر: 642.