لا بدّ للإنسان من ضجعةٍ.. لا تقلب المضجعَ عن جنبهِ!

أشياء كثيرة في الحياة نستطيع أن نقول لها: "لا"، إلا الموت فهو كأس يتذوقه كل حيّ! {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}. أمر عام يشمل جميع الأحياء في هذا الكون. نحب أن ننسى الموت، لا نكتب عنه ولا نقرأ عنه ونحاول أن نهرب منه إلا أنه هناك. مهما حاولنا أن نتناساه فهو لا ينسى "الموت كأسٌ وكل الناس شاربه"! كل يوم نقرأ أو نسمع عن فلان أو فلانة أنها ماتت فلا بدّ أن يأتي ذلك اليوم الذي يزور ملك الموت كلَّ حي ويفارق الحياة. حقيقة عبر عنها القرآن الكريم بالتذوق، كما نتذوق الطعام ونحسّ بطعمه في حلوقنا.
{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ}؛ رحلة ثم تنتهي بالموت المحتوم. رحلة من المفترض أن يقطعها كل إنسان سوي بسلام ويعود إلى خالقه بسلام. إلا أننا حولنا الموت بأعمالنا إلى حالة عدم ورعب، نكرهه ونبغضه لأننا نعتقد أننا نفارق حياةً جميلة ونقدم على أخرى أقل جمالًا، أو لا سمح الله فيها العديد من المخاوف والمنغصات!
{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي}. هل أجمل وألطف من هذه البشارة؟ الله يدعو النفسَ المطمئنة لتعود إليه راضيةً عنه وهو راضٍ عنها؟ كم هو جميل الموت للمؤمن؟ بعد حياة ضنك يعود إلى خالقه ويعيش في ظلاله؟ إذًا لماذا نكره الموت؟ عن الإمام الصادق عليه السلام: جاء رجلٌ إلى أبي ذر فقال: يا أبا ذر ما لنا نكره الموت؟ فقال: لأنكم عمرتم الدنيا وأَخربتم الآخرة، فتكرهون أن تُنقلوا من عمران إلى خراب. فقال له: فكيف ترى قدومنا على الله؟ فقال: أما المحسن منكم فكالغائِب يقدم على أهله وأما المسيء منكم فكالآبق يرد على مولاه، قال: فكيف ترى حالنا عند الله؟ قال: اعرضوا أعمالكم على الكتاب، إن الله يقول: {إن الأبرارَ لفي نعيم * وإن الفجارَ لفي جحيم} قال: فقال الرجل: فأين رحمة الله؟ قال: رحمة الله قريب من المحسنين.
غاية القصد: كلّ لحظة تمرّ يعود فيها مخلوق إلى الخالق حتى يأتي يوم يعود فيه كل الخلق، فهل نتعظ ولو قليلًا؟ يا سبحان الله! فإذ نحن في غفلة يفاجئنا منشور أو اتصال أو رسالة أن فلانًا مات! الدنيا حلوة وجميلة وتستحق المنافسة، حتى المصارعة والملاكمة - أحيانًا - لكن الآخرة أجمل وتستحق أكثر! أن نعتقد أن الموت حقّ شيء، وأن نستعد للموت فذلك شيء آخر. فلنعلم جميعًا أن غاية كلّ حي هي الموت وكل مخبرٍ يصير خبرًا:
حُكمُ المَنِيَّةِ في البَرِيَّةِ جاري
ما هَذِهِ الدُنيا بِدار قَرارِ
بَينا يُرى الإِنسانُ فيها مُخبِرًا
حَتّى يُرى خَبَرًا مِنَ الأَخبارِ



