صور من زمن الشقاوة!

أحيانًا كثيرة يتداول الأصدقاء صورًا من زمن "الشقاوة" في مجموعات وسائل التواصل الاجتماعي؛ أيام كان في جزيرة تاروت مدرسة متوسطة واحدة وفي مدينة القطيف مدرسة ثانوية واحدة، يحضر فيها الطلاب من تاروت ومختلف بلدات المدينة، قبل حوالي 48 سنة وأبعد. أيام السباق على دكان الفوّال اليماني الشاب الطيب "سعيد" ساعة الفسحة والتجمع في ساحة المدرسة لمشاهدة الأساتذة -كيث وجراهام وتوني- والطلاب يلعبون كرة السلة والطائرة. أيام الحافلة الصفراء التي لم يكن فيها مكيف هواء يخفف حرارة المشوار الطويل وأحيانًا تتعطل أو تتأخر!
بعض من في الصور تغيرت ملامحهم كثيرًا فلا تكاد تعرفهم، ويجري الحديث عن الوسامة والجمال أيام سنوات الشباب؛ فلان وسيم وفلان جميل! أرى أن كل من في الصور كان جميلًا وسيمًا، فهل في عمرك رأيت شابًّا أو شابة في ريعان الصبا غير جميل أو غير جميلة! لكن عندما تمر السنوات -ركض وجري- يخف الجمال الظاهري ويحل مكانه جمال من نوع آخر؛ جمال الأفعال الكريمة والطيبة والرقيّ الاجتماعي.
هذه رسالة لكل الأصدقاء من زمن الشقاوة؛ زمن اللعب والضَحك والمقالب:
بَكيتُ عَلى الشَبابِ بِدَمعِ عَيني ** فَلَم يُغنِ البُكاءُ وَلا النَحيبُ
فَيا أَسَفًا أَسِفتُ عَلى شَبابٍ ** نَعاهُ الشَيبُ وَالرَأسُ الخَضيبُ
عَريتُ مِنَ الشَبابِ وَكانَ غَضًّا ** كَما يَعرى مِنَ الوَرَقِ القَضيبُ
فَيا لَيتَ الشَبابَ يَعودُ يَومًا ** فَأُخبِرهُ بِما صَنَعَ المَشيبُ
بارك الله في أعماركم، الجمال في داخلِكم فلا تقتلوه. في زمن الشقاوة كنتم تظنون أنكم تحبون وأنكم أقوياء وسيمون! لا تدعوا ذلك المارد يشعر بأنه أصابه شيء من الوهن والضعف. أيقظوا المارد الأجمل في طيبة أرواحكم وطيبة فعالكم وحكمتكم!
كم نشتاق لرؤية المدرسين من تلك الفترة الذين -مع الأسف- تصلنا أخبار عن بعضهم أنهم انتقلوا إلى رحمة الله! لا عجب، غبنا عنهم وغابوا عنا عشرات السنين وكل امرئ يرحل يومًا ما! أجدها مناسبةً جيدة في هذه الخاطرة أن أهدي لمن بقي منهم التحيات الصادقة خصوصًا الأستاذ حمد عنيزان الخالدي، مدير المدرسة الثانوية في القطيف آنذاك.
قبل عدة ليال حضرت زواج ابن أحد الأصدقاء -من زمن الشَقاوة- قلت له ممازحًا: تذكر يوم كنا صبيين في مقاعد المدرسة؟ الله كم كبرنا وصرنا من الجيل القديم! إحساسنا بسرعة الوقت في هذه الأيام أصبح مخيفًا جدًّا. مع تقدمنا في العمر، يبدو لنا الوقت أنه يمر بسرعة أكبر. وحدة قياس الزمن لا تتغير، الثانية هي نفسها منذ أن خلقنا لكن عندما نكون في عمر عشر سنوات نشعر بأن مشوار الحياة للتو بدأ وهو مشوار طويل! وعندما نكبر نشعر بأن كل جزءٍ يمر من العمر كبير جدًّا بلحاظ ما نتوقع أن بقي منه!



