سيرة طالب (٧٤)

تأبين سيّد المستمسك
التقيت شخصًا بارزًا في السوق الشعبي المسمّى (بازار بزرك) قريبًا من حرم السيدة المعصومة (ع)، فطلب منّي أن أشارك معهم بقصيدة جديدة في احتفال سنوي تأبيني للمرجع الراحل السيد محسن الحكيم، وكان ممن يحضر الاحتفال نجل الراحل السيد محمد باقر الحكيم (رحمه الله)، فوافقت مباشرة للمشاركة معهم، وأشار الناشط إلى مبنى في زقاق من بازار بزرك، وقال لي: سوف يكون الاحتفال هنا.
فكتبت قصيدة (١)، وذهبت إلى الاحتفال الذي بدأ بقراءة القرآن، فإذا بالسيد محمد باقر الحكيم يظهر بهيبته وبشاشته.
لما حان دوري لإنشاد القصيدة، تناوبت نظراتي بين مطالعة الأبيات وملامح السيد الحكيم، فكان من اللافت للنظر أن تفاعل السيد تفاعلًا غريبًا منذ مطلع القصيدة إلى نهايتها، فكانت أمارات الأسى والحزن بادية على محيّاه، وهو يبكي بكاء الطفل، كما لو أنّه فقد والده في التوّ واللحظة.
بعد أن انتهيت من إلقاء القصيدة، لأسلّم عليه وأقبّل جبينه، وانتهى الحفل بجميع المشاركات التأبينية، التي منها محاضرة قيمة للسيد الكريم الحكيم. ونشرت قصيدتي على مساحة الصفحة الأخيرة بكاملها لإحدى الجرائد الدينية. وكان عمري حينها ٢٥ عامًا، وكان قد مضى على وفاة المرجع الراحل يومذاك ٢٦ عامًا.
والسيد محسن الطباطبائي الحكيم (1306-1390هـ) من كبار الفقهاء ومن أبرز مراجع التقليد في الحوزة العلمية في النجف الأشرف في القرن الرابع عشر الهجري.
كان له الدور البارز في نشر المكتبات العلمية في مدن العراق وسائر البلاد الإسلامية.
للسيد أيضًا دور مؤثر في إصلاح النظام الحوزوي، ويعتبر كتاب مستمسك العروة الوثقى أهم تأليفاته الفقهية.
ومن جميل ما ينقل عنه رضوان الله عليه أنه لما أراد أن يختار لدورته الفقهية اسمًا، التي هي عبارة عن شرح لكتاب العروة الوثقى للسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (قدّس سرّه)، فتح القرآن الكريم فظهرت له هذه الآية: *﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ ۗ وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾* [سورة لقمان: 22]. فجاءت الآية تحاكي الواقع الذي عند السيد (قدّه) فاسمه "محسن" وقد ورد هذا اللفظ في الآية. والكتاب المشروح اسمه "العروة الوثقى" وورد هذا اللفظ في الآية أيضًا، وورد في الآية كلمة "استمسك" فسمّى دورته الفقهية (مستمسك العروة الوثقى).
القصيدة:




