بعض الآباء.. عنده من الأولاد عشرة وينام تحت شجرة!

أرجو السماح من القراء الكرام إذا ما وجدوا نفسًا من الحزنِ والحرقة في هذه الخاطرة فأنا أكتبها بقلبي وليس بيدي من شدة الألم. بعض الأيام تفوض القربة بما في داخلها.
من أشد الأمور إيلامًا أن ترى أو تسمع أبًا يتذمر من إهمال الأبناء. الكل منشغل في الحياة والكل مضغوط لكن ليس لحد أن يكون الإهمال وعدم الرعاية الكاملة واضحًا! لا تظن أن الرعاية - فقط - الأكل والشرب وزيارة الطبيب وإعطاء الدواء في مواعيده الصحيحة. إنما الرعاية أيضًا الاطمئنان والسؤال: كيفك يا أبي؟ في بالك شيء تأمر به؟ تحتاج مني شيئًا؟ أب مريض يعني طفلًا وزنه 80 كيلوغرامًا، يزعل ويغضب بسرعة، الطفل يكبر ويروح ويجيء وكبير السن تزداد حالته سوءًا.
الآن كبرتَ وأصبح لديك أبناء فهل تذكر ذات يوم أنك كنت ابنًا لأب في أيام صحته كان يشد حزام البنطال بعد صلاة الصبح ولا يعود إلا قرب الغروب. لماذا؟ لكي يشتري لك الأكل والشرب والدواء وأجمل لعبة وأدوات المدرسة، اعتنى بك من الألف إلى الياء حتى السيارة ومهر الزوجة والشقة! الآن أنت مشغول عنه، ما عدت تسأل وما عدت تهتم! ربما الأم أو السائق أو العاملة المنزلية تعتني بأبيك الآن وأنت ترى!
ماذا يعني بر الوالدين الذي نرجو به دخول الجنة؟ بر الوالدين الذي أوصى به الله والأنبياء في كل الشرائع السماوية؟ لعنة وألف لعنة على زمنٍ يبكي فيه أب أو تبكي أم عندها من الأبناء والبنات عشرة وتنام تحت شجرة.
رسالتي بسيطة ومباشرة: غدًا يكبر أولادك وبناتك، نرجو لك العافية، لكن لا تأمن الدنيا. إذا لم تبر أباك وأمك الآن سوف تأخذ مكانَهما وتصبح مُهملًا ويأخذ مكانك أولادك وبناتك ويعقّونك! هل تقبل هذه المقايضة؟ أذكر لك فائدة واحدة عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "إني رأيت البارحة عجائب، قال: فقلنا: يا رسول الله وما رأيت؟ حدثنا به فداك أنفسنا وأهلونا وأولادنا، فقال: رأيتُ رجلًا من أمتي وقد أتاه ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فمنعه منه".
ابني العزيز، ابنتي العزيزة: سوف تلعن الدنيا وما فيها وتبكي دون فائدة إذا رحل أبوك ورحلت أمك عن الدنيا دون أن يكونا راضيين عنك. تبكي وتحلف لو عاد أبوك للدنيا ما تركته لحظة واحدة وكذلك أمك والحقيقة أنه هيهات هيهات، لن يعودا!
ابني العزيز، ابنتي العزيزة: إن امرءًا يأتي يوم القيامة عاقًا لوالديه خفيف الميزان! خدمة أب كبير أو أم عجوز ليست سهلة أبدًا، ومن قال إن الجنة تحصل عليها دون تعب؟! الله يحبك ولذلك ابتلاك بأمّ أو أبٍ كبير في السن ويحتاج خدمة من أجل أن يرفع درجتك يوم القيامة. تحمّل واصبر!
أوف يا زمن! أين يذهب ذلك الحب والتربية! صار الواحد منا يفضل العزوبية وعدم الزواج والإنجاب من كثرة ما يسمع من حكايات تبكي: هذا جناه أبي عليّ.. وما جنيتُ على أحد!



