السلوان النعمة الخفية.. لولاها ما لذَّ عيشٌ ولا طاب رقاد!

نفتخر بحجم دورنا وطراز سياراتنا ومقدار راتبنا الشهري ورصيدنا في المصرف وعدد أولادنا وبناتنا وكلها نعم ظاهرة. ولا ندرك أن للهِ سبحانه وتعالى نعمًا خفية في حياتنا لولاها ما استمتعنا بزاد ولا شراب ولا طاب لنا منام. تعالوا نرى جمال نعمة السلوان!
ولولا كثرة الباكين حولي
على إخوانهم لقتلتُ نفسي
من حكمة الله سبحانه أن وهبنا أدوات لتتمكن قاطرةُ الحياة من السير للأمام. من هذه الأدوات فضيلة اسمها "السلوان". السُلُوًّان في اللغة العربية هو ما يذهب الهمَّ والحزنَ.
تخيلوا حياتنا من دون فضيلة الصبر والسلوان كيف يبدو فيها الإنسان؟ تخيلوا أن كل من فقد حبيبًا ما سلى ولا نسيَ أبدًا! تمشي بين أناس يبكون كالمجانين، لا يقصون شعورهم الطويلة ولا يقلمون أظافرهم ولا يأكلون ولا يشربون، عظامهم بادية وعيونهم محمرة من البكاء والحسرة. هياكل عظمية من دون شغل، هذا يبكي ابنًا، ثانٍ يبكي زوجًا، ثالث يبكي أخًا أو أختًا. قل لي بالله عليك من ذا الذي ما فقد أحدًا؟ قل لي من ذا الذي سوف يبقى حتى يموت من دون أن يفقد أحدًا؟ ومن ذا الذي لن يفقده أحد؟
يروى أن ذا القرنين لما حضرته الوفاة أوصى أمه إذا هو مات أن تصنع طعامًا وتجمع نساء أهل المدينة وتضعه بين أيديهن، وتأذن لهن فيه إلا من كانت ثكلى فلا تأكل منه شيئًا، فلما فعلت ذلك لم تضع واحدة منهن يدها فيه فقالت لهن سبحان الله كلكن ثكلى؟ فقلنَ إي والله ما منا إلا من أثكَلت فكان ذلك تسلية لأمه.
"فإنه لولا النسيان لما سلا أحد عن مصيبة، ولا انقضت له حسرة، ولا مات له حقد، ولا استمتع بشيءٍ من متاع الدنيا مع تذكر الآفات". هذا النقصان -أو النسيان- هو جزء من الكمال الإنسانيِّ الذي يمكننا من مواصلة الحياة وتحدي الصعوبات. فلو خلا الكونُ من هذه الصعوبات وخلت الأرضُ من تلالها وهضابها وسهولها لما كان للسير فوقها طعم وما كان له معنى!
القراء الكرام: حياتنا امتحان ولن ينسى أحد من يحبّ. سوف نذكرهم حتى آخر لحظة في حياتنا. لكن لو نظرنا في الناحية الأخرى لسَمعناهم يقولون لنا: نحن بخير، جَزعكم وحزنكم الطويل لا ينفع. يأتي العيد وتنسون فيه جزءًا من أحزانكم! ينفعنا الدعاء والصلاة والصدقات وثمار الذكرى الطيبة. لذلك سيروا في حياتكم وما أقرب الحيّ من الميت!
اشتدّ حزن يعقوب -عليه السلام- حين فقد أعز أولاده وابيضت عيناه من الحزن لكنه سيطر على آلامه ولم يتفوه بما لا يُرضي اللهَ سبحانه وتعالى. مصائب الفقد ودوام بكائه أفقده بصره، ولم يفعل ما يتنافى مع الصبر الجميل. السلوان يأتي قسم كبير منه من تعاطف وتعاضد الناس من حولنا في كلمات وأفعال تشعرنا بأن ما يصيب أحدنا يصيب الآخر وأن كلمات مثل: "جبر الله وهنكم، وأحسن عزاكم، ورحم متوفاكم" تخفف من هول المصاب.
في نهاية المطاف، شياهٌ نحن والموت ذئب يأكلنا جميعًا، وكما يقول الشاعر الجواهري:
ذئبٌ ترصّدني، وفوق نيوبهِ
دمُ إخوتي، وأقاربي، وصِحابي



