ابنة خالتي خديجة الصفار.. وداعًا

تمضي بنا الأيام بتعاقب الليل والنهار، فتأخذنا ذات اليمين وذات الشمال، تقلبنا بين الشدة والرخاء وتدنينا بنشوة التعافي من أوجاعنا والأسقام، لكن الأحزان تأبى أن ترحل عنا، تسربلنا في النطاق العائلي أو المجتمعي، ترانا نواسي قريبًا لفقده عزيزًا، نعزي صديقًا خسر أقرب الناس إليه، نكفكف دمع أخ لم تلده أمنا، ونشدد أزر زميل رحل عنه حبيب.
وكأن الأحزان تلازمنا كظلنا، نحاول نسيانها، نلهو، نتسلى، وما أن يمر بنا الفرح نمسكه بقوة خوفًا من أن يفلت منا، لكنه يخاتلنا، يتسرب من كفوفنا وبسرعة يختفي كماء تبخر، محلقات طيور الأسى فوق رؤوسنا، تراقبنا، وتحذرنا ليس باحتضان الفرح ساعة زمن بل الابتعاد حتى عن مصافحة أو ملامسته.
يا أيها الموت المبجل ألا تترك لنا فسحة من راحة؟! لماذا تقض مضاجعنا على حين غرة وتفاجئنا برحيل الأعزاء تلو الأعزاء.
كنت غافيًا أمس بعد صلاة الظهر وإذا بالنداء يوقظني من نومي، صوت يخبرني برحيل ابنة خالتي خديجة إبراهيم الصفار، تلقيت الخبر كصفعة على الخد غير مستوعب ما أسمع، أخذت بعضي مشتت المشاعر ساحبًا نفسي في رابعة النهار ولكن الشمس محجوبة من كثافة الغيوم الرمادية.
أمشي والطرقات مقفرة، والأمكنة باهتة الألوان، حين وصلت لنطاق المقبرة إلا وصوت التلاوة يتراسل عند "دولاب الگوع" أعبر ظلال النخيل إلى حيث المصلى والمغتسل.
رأيت وجوه الأحبة والأعزاء غارقة في الحزن والدمع يسيل من المحاجر وبين طبطبة على الأكتاف واحتضان وأنين نزل المطر مدرارًا وكأن السماء تشاركنا البكاء، نودي للصلاة على جثمان العزيزة، وبين تهليل وتكبير شيعت لمثواها الأخير، وبين صمت القبور عزيت والدتي والخالات، تتقدمهم خالتي آمنة حين قبلت رأسها وإذا هي تهتز حسرة على فقد ابنتها، وتقول: "زفيتوا العروس "! نعم زفيناها دون شموع"، لله درك يا خالة يا من فقدت خمسة من فلذات كبدك وتبعتهم خديجة في ذات اليوم الذي رحل أخيها محمد الصفار يوم 12 رمضان سنة 1390 هجرية قبل 54 عامًا، أتى للدنيا ليوم واحد وارتحل ملاكًا وفي عام 1396 ذهب أخوها الأكبر الشاب علي الصفار في جنح ظلام مزرعة والده، وسنة 1410 ذهبت أختها الشابة زينب أم مهدي الزراع وبرحيل خديجة خيم الحزن على خالتي آمنة، أمس السبت 12 رمضان عادت كل الأحزان السابقة، تجسدت كل الفواجع الماضية جاثمة على صدرها، مستذكرة أيضًا أطفالها حميدة وفاطمة وتوأم كانا في أحشائها أبناء خمسة شهور، خسارات على امتداد محطات عمرها، وعند رحيل خديجة المفاجئ تنوح خالتي عليها وتشكي حالها إلى الله، مذهولة البال تائة الفكر: "ياربي اني ويش مسويه كل أولادي اللي جبتهم كلهم راحوا ، كل يموتوا ، كل يموتوا "، وكأن جدتها أم والدتها "مخلوگه" تسمع صداها يوم ارتحل عنها منذ سبعين عامًا أول مولود لتصبرها على فقده "يابنتي ياٱمينه: أني بچري مات وفني مات وفلفي مات وربعي مات" جدة كانت محروقة على خساراتها للأولاد هل أرادت أن تهدئ من روع حفيدتها وتهيئها عن أي خسارات مفاجئة قادمة! كأن القدر يرسم خيوطه في الخفاء ويحيك لها فقد تلو الآخر.
في بيت خالتي آمنة يتوالى نحيب النسوة وتنفجر الخالة في البكاء! جالسة على الأرض، تقول لها أختي فتحية أم صالح: "خالتي قومي عن لتراب گعدي هنيه على الكرسي" ترد بصوت يفتت القلب وهي جاحظة العين سارحة في الفراغ: "اقوم عن لتراب وبنتي الحين بيدفونها في لتراب ، خلوني ادحن في لتراب"، يا خالة أحسن الله لك العزاء كلنا تحت التراب راحلون.
عظم الله لك الأجر وعظم الله أجر والدتي وكل خالاتي وجميع أبناء وبنات الخالات وإخوتي وأخواتي وأبناء وبنات الخال وجميع عائلتي الصفار تاروت والقطيف وعائلة الدواغ وٱل زرع وٱل هبوب وٱل شلي وكل من ينتمي لنا من قرابة ونسب، عظم الله لكم الأجر جميعًا.
يا عهد الطفولة ما أبرحك حاضرًا في الوجدان أستعيد أنفاسًا من الذاكرة، تعالي ابنة خالتي زينب أمسكي يد أختك خديجة نذهب "للمعامرة" وسط بساتين فريق الأطرش، لابسات المشمر وشعركن من الفرح يتطاير، وخلفنا خالتي آمنة على رأسها صحن الغذاء، حين نصل وابتسامة زوجها حجي إبراهيم الصفار تسبقنا بلطف متناه يغسلنا بروحه المرحة بهجة وطيبة وعلى السفرة المداعبة حاضرة على لسانه مع كل لقمة، قهقهة تصدر من ابن الخالة علي، آه من الأيام كم هي الذاكرة موجعة، أين رحل الذين نحبهم، سلام على تلك "اللمات" ليت الدنيا لم تعجل برحيل الأعزة لتبقيهم لنا ذخرًا وأنسًا لما تبقى من محطات العمر، كم تتراءى الأمكنة التي تفيض بالحنين في حالات الفقد تصبح موحشة.
تقول والدتي: "إذا جاء مرسول البين متعني، لا أنا دفعته عني ولا مالي دفعه عني". هو الموت مترصد الأنفس صغيرها وكبيرها، هي الأحزان تتوالى لتصادر أية نسمة فرح، "إنا لله وإنا اليه راجعون ".
سلاما عليك يا خديجة يابنة خالتي، يا صاحبة الوجه الطفولي الذي لم يتبدل برغم تحولات الزمن ومرارة الحياة، براءة ملامحك لا تنسى عالقة في الذاكرة كطيب فواح، سلامًا عليك أيتها الطيبة المؤمنة، وداعًا يا أم علي، رحلتِ عن دنيانا الفانية بنفس مطمئنة.



