خطوات قاتلة!

خطونا نحو آخر جمعة من شهر رمضان 1445 هجرية. في آخر الخطوات أنتم تبكون حزنًا على فراق الصلوات والطاعات وأنا أبكي أنني لم أشبع من طيبات الأكل والتبضع والجلسات. شتان بين خطواتكم وخطواتي!
هل تصورتم حياة الإنسان في الدنيا من دون الشيطان؟ أليس من الممكن أنه لو لم يكن إبليس موجودًا لما كان هناك صراع في داخلنا بين الخير والشر؟ صراع يفوز به إنسان ويثاب، ويخسر آخر ويعاقب!
في حياتنا نمشي خطى خير وخطى شر. في كلتا الحالتين يظهر لنا شيطان يزين لنا خطوات الشرّ ويثبطنَا ويضعف عزيمتنا عن خطوات الخير. نأخذ أيها القارئ الكريم والقارئة الكريمة حالتين فقط -واحدة في الخير وأخرى في الشر- وننظر معًا كيف تكون خطوات الشيطان:
شابٌّ مؤمن يريد الشيطان منه أن يشرب الخمر فهل تظن أنه يجره دفعةً واحدة أم في خطوات؟ البداية في أصدقاء يزينون له: تعال معنا نحن أصدقاء نجلس في جلسات سمر جميلة خاصة فيها من الأنس الكثير! يحضر الشابّ ويدور الشراب: جربها مرةً واحدة فقط لتعرف طعمها وبعد ذلك لا تشرب، لا أحد يجبرك على شربها! في الخطوة التي بعدها يذوقها صاحبنا ليعرف طعمها. يتوقف عن الشراب لكن ليس عن حضور الجلسة. ثمّ في الجلسة القادمة يشرب مقدارًا أكبر ولا داعي لأن أكمل معكم تسلسل الأحداث. لو قال له الشيطان اشرب الخمر في خطوةٍ واحدة لما شرب أبدًا، لكنها خطوات، واحدة بعد أخرى، صغيرة ثم متوسطة ثم كبيرة!
صاحبنا الثاني رجل غنيٌّ يريد أن يتصدق بجزء من ماله. يحضر الشيطان في خطوات: كم تريد أن تدفع لمشروعكَ الخيري؟ عشرة آلاف؟! أليس كثيرًا؟ ألا تظن أن خمسة آلاف تفي بالغرض عوضًا عن عشرة؟ الآن خمسة وبعد سنة خمسة، ما رأيك؟ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۚ}.
لكيلا يطول بنا الوقوف وإلا حالات لا متناهية يمشي الشيطان خطوات أمامنا ويقول: اتبعونِي. وصى الله الإنسان أن يجاهد الشيطان ولا يطيعه ويأخذ حذره من الخطوة الأولى فمثلًا الابتسامة التي تجلب ما بعدها من آثام وإذا علقت المخالب {قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}.
نظرة فابتسامة فسلامٌ
فكلامٌ فموعدٌ فلقاء
خطوات الشيطان تبدو جميلة ممتعة في أولها وتثير الفضول لكنها لا تخلو من نهايات مأساوية لا يسهل الخلاص منها. كيف أتقيها؟ في كل خطوة أخطوها أسأل نفسي: أين تأخذني خطواتي؟ ما النتيجة؟ مسرات أم متاعب في نهاية المشوار؟
بصراحة، الشيطان مخلوق عجيب وفكرة رهيبة! محتال يظهر في كل شيء. يمكننا أن نُصوره ونَتصوره كما نشاء، إلا أنه بارع في تفاصيل مهنته ومثابر، لا يكل ولا يملّ ولديه الوقت الكافي {قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)}.



