الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

وترجل الشعر عن صاهله!

علي الشيخ · القطيف اليومالسبت 6 أبريل 2024، 2:19 م
وترجل الشعر عن صاهله!

أن تودع شاعرًا يعني أنك تفقد قطعةً من جمال هذا العالم؛ لأن الشاعر يعدّ وثيقةً حضاريةً ضد العدم، كما يقال، ولأننا نصنعُ من الحزن جمالًا، ونلون بالدمع لوحة الحياة المتحركة، ننعى بكل أسى رحيل الشاعر الفلسطيني الكبير الأستاذ الرائد والمربي الفاضل/ مصطفى حسن أبو الرّز.

الذي استوطن القطيف منذ أربعين عامًا فداعب ترابها و اختمرت روحه بعبق نخليها، واعذوذبت مشاعره بين أفيائها، واحلوّت بعينيه مفاتنها. لهذا كان ابن الأرض رغم غربته وهجرته إليها، لا باعتباره ضيفًا عليها، وإنما هو نخلةٌ من نخليها، وشتلةٌ من باسقات ظلالها الوارفة. ولم يكن للغربة معنى في قاموسه، كان كما قال الشاعر:

وكنا ألفناها ولم تكُ مألفًا
كما يؤلف الشيءُ الذي ليس بالحسن

كما تُؤلفُ الأرضُ التي لم يطب بها
هواءٌ.. ولا ماءٌ.. ولكنها وطن

دخل القطيفَ من بوابة العلم والوعي مدرسًا، وموجهًا تربويًا، وفاعلًا اجتماعيًا، وصديقًا وفيًا وأخًا بارًّا، حتى أصبح أبًا عظيمًا!

تميز أبو حسن بنبله الشفيف، وتواضعه الجم، وبدماثة أخلاقه، وأريحية طباعهِ الهادئة، فصنع بذلك محبة الناس له، فقدم أروع المثل لتجسيد التواصل الروحي بين آدمية الإنسان ورساليةِ مشاعره.

رغم عدم تواصلي به بشكل عميق إلا أنه يبعث لي رسائله في كل مناسبة، أو حادثة مرت به وإذا أرسلت له بعض نصوصي الخجلى؛ كان يردّ معلقًا ومشجعًا ومحفزًا، أسجل هنا إحدى
تعليقاته لي وكانت عقب نص "ملائكة الكلام" حيث قال: "يا سلام، هكذا يكونُ الشعرُ، حين تتوضّأُ الشفاهُ بالأنبياء، ويُغسلُ المجازُ، ويشتاقُ الرغيف. كعادتك مازلت مبدعًا".

مثل هذه الحروف التي هي أكبر مني، حيث تفوهت بها شفتا هذا الكبير، من شأنها إشعال فتيل الحماس وإلهاب جذوة البحث عن الجمال قبل وبعد القصيدة. كما كان دائمًا يقف عندما ألقي مشاركة في أمسية أو محفل، مشيدًا بما سمع من تجربتي البسيطة. ولست الوحيد الذي كان يبث فيه التشجيع والحفاوة بل كان هذا ديدنه مع الأصدقاء ممن يجد فيهم ما يرضي نهمه الجمالي.

ولأن روحه معجونة بروح المسؤولية والجد والمثابرة والصدق في كل ما يقدم للآخرين نجده، توزع في تواجده بين المجتمع القطيفي كان حاضرًا في كل المنتديات الأدبية والثقافية، رغم عضويته في الكثير من المؤسسات العربية والدولية، إلا أنه ينساب مع الناس ويعيش بينهم بكل بساطة عيشٍ، وسهولة معشره.

رجلٌ نذر نفسه لآدميته، فاشتعلت روحه ليضيء بها الآخرين، يقول الشاعر:
لولا اشتعال النارِ فيما جاورت
ما كان يُعرفُ عَرفُ طيبِ العودِ
هذا يعني أن كل مبدع، ما كان يبدع لولا معاناته الشاسعة العميقة، وهو كان كذلك.

فهر الرجل المهاجر، والمثكول بذويه، والقلق المستمر الذي عاشه، كل ذلك لم يمنعه من ارتسامِ البسمة على شفتيه.

وما كان مثبطًا ولا متبرمًا بشكل ظاهر، لا من خلال شفاهيته، ولا كتاباته وحروفه. بل كان ممتلئًا بالصمود بعزيمة الصبر وكأنه يتمثل بحكمة الشابي:
وقالت ليَ الأرضُ لمّا سألت
أيا أمُّ هل تكرهين البشرْ

أباركُ في الناسِ أهل الطموحِ
ومنْ يستلذُ ركوبَ الخطرْ

وألعنُ منْ لا يماشي الزمان
ويقنعُ بالعيش عيشَ الحجرْ

هو الكون حيٌّ يحبُ الحياة
ويحتقرُ الميت مهما كبرْ

فلا الأفق يحضن ميت الطيور
ولا النحل يلثمُ ميت الزهرْ

ومن يتهيب صعود الجبال
يعشْ أبد الدهر بين الحُفرْ

ولا غرابة حين نجد له عدة قصائد تماهى خلالها مع معشوقته القطيف.

ومن الجميل أني وجدت ترجمته في كتاب الأستاذ سعود الفرج "قالوا القطيف".

حيث قال عنه: "كان له حضورٌ واضح عبر تلك المنتديات التي شهدت بعض قصائده الرائعة، إشادة وتمجيدًا بها (القطيف) ورجال الفكر فيها".

وساق قصيدته التي ألقاها في حفل تكريم رواد العمل الاجتماعي بالقطيف. والتي يقول في مطلعها:

وطن الشعرِ وألحجا والجمال
كيف أشد في مشهدٍ من جلالِ؟

وكشاهد على حضوره بين أصدقائه ومحبيه، بحروفه الرسالية الهادفة كانت آخر رسالة بعثها قصيدة شعرية مهنئًا بضيافة هذا الشهر الكريم. أذكر منها هذا البيت:
"رمضانُ شهر الخير كلّ هداية
نعِمتْ بها الدنيا فمنْ مشكاته

شهر مبارك، تقبل الله طاعتكم، محبكم/ مصطفى أبو الرز - الدمام.

وأخيرًا ترجل الشعر عن صاهله يغيب الشعرُ جسدا لتشرقَ روحُهُ بعبق الجمال.. رحل شامخًا، حيث كان صمته هادرًا، وشعره حاضرًا يحضرني بيت السيد عدنان العوامي الذي رثى به الأديب محمد سعيد المسلم/
قدرُ الكواكبِ أن تغيبَ خسوفا
وتموتُ وارفةُ النخيلِ وقوفا

رحمك الله أستاذنا الأجل، وأسكنك دار النعيم وألهم ذويك وأحبتك الصبر والسلوان.