الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

تتجلّى في حياة أمي الحكمة والرشد

زكريا أبو سرير · القطيف اليومالثلاثاء 13 أكتوبر 2026، 1:04 م
تتجلّى في حياة أمي الحكمة والرشد

ليست الحكمة حكرًا على أصحاب الشهادات العليا، ولا حكرًا على من قضوا سنوات طويلة بين الكتب والمراجع ومقاعد الجامعات؛ فقد يمنح الله بعض عباده بصيرة نافذة، وعقلًا راجحًا، وقدرة على فهم الحياة وتقلباتها، فيكتسبون من تجارب الأيام ما قد لا تمنحه كثرة القراءات وحدها. وهنا تتجلى حقيقة الحكمة بوصفها ثمرةً للتجربة، ونضجًا في التفكير، وحسنًا في تقدير الأمور، وإدراكًا لما ينبغي فعله، وكيفية فعله، والوقت المناسب له.

ومن أبلغ التعريفات للحكمة أنها وضع الشيء في موضعه المناسب، وفعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي، وفي الوقت الذي ينبغي. أما الذكاء، فيتمثل في القدرة على اكتساب المعرفة وفهمها وتوظيفها في حل المشكلات، في حين تتجلى الحكمة في حسن استخدام المعرفة والخبرة، والموازنة بين الخيارات، والنظر في عواقب القرارات قبل اتخاذها. ولهذا قيل إن الذكاء يساعد الإنسان على الوصول إلى الإجابة، أما الحكمة فتعينه على معرفة الإجابة المناسبة، والوقت المناسب، والطريقة المناسبة.

وقد سُمّيت الحكمة حكمةً لما تنطوي عليه من قدرة على كبح الجهل، والابتعاد عن رذائل الأخلاق، وإعمال البصيرة في الحاضر والمستقبل، والنظر إلى الأمور نظرةً تتجاوز حدود اللحظة الراهنة إلى ما قد تؤول إليه نتائجها.

وحين أستحضر هذه المعاني، وأتأمل مسيرة أمي الغالية، رحمها الله رحمة الأبرار، أجد أن حياتها كانت تجسيدًا حيًّا للحكمة والرشد، وأن أقوالها وأفعالها، بل حتى سكونها وصمتها في بعض المواقف، كانت تحمل من المعاني والدلالات ما يكشف عن رجاحة عقلها، وعمق تفكيرها، وحسن تدبيرها.

لم تكن هذه شهادة ابنٍ يتحدث عن أمه بدافع المحبة وحدها، وإن كانت محبة الأم منزلةً لا تضاهيها منزلة، وإنما هي شهادة من عاش بين كنفَيها، وشاهد مواقفها عن قرب، وسمع أحاديثها، ورأى كيف كانت تتعامل مع شؤون الأسرة، وتزن الأمور بميزان العقل، وتضع كل أمر في موضعه الصحيح. وقد لمس ذلك أفراد أسرتنا، وكل من اقترب منها، سواء في الحضر أم في السفر؛ فقد كانت صاحبة تدبير، وحسن تقدير، وذكاء لافت، وبصيرة تتجاوز حدود اللحظة إلى ما بعدها.

حكمة صنعتها الحياة

لم تتشكل حكمة أمي من خلال الشهادات الأكاديمية، أو الدراسات العليا في الجامعات المرموقة، ولم تكن بحاجة إلى مكتبة واسعة من المؤلفات كي تثبت امتلاكها عقلًا راجحًا وفكرًا متزنًا؛ بل صقلتها تجارب الحياة التي خاضتها بكل تفاصيلها، وما حملته من مسؤوليات وتحديات ومواقف متباينة.

لقد صنعت الأيام من تجاربها ينبوعًا من المعرفة، وأكسبتها الخبرة قدرةً على التقدير والتدبير، حتى أصبحت مرجعًا يُستشار في كثير من شؤون الأسرة والحياة، ويلجأ إليها أبناؤها وأقاربها وغيرهم طلبًا للرأي والمشورة.

ولعل من المهم هنا أن ندرك أن المعرفة لا تأتي من الكتب وحدها، وإن كانت الكتب من أهم روافدها؛ فالحياة نفسها مدرسة واسعة، وتجارب الإنسان فيها دروس متجددة، شريطة أن يمتلك القدرة على التأمل، واستخلاص العبر، ومراجعة المواقف، والتعلم من النتائج. وقد تجتمع هذه الملكة في إنسان لم تتح له فرص التعليم الأكاديمي الواسع، لكنه يمتلك من الفطرة السليمة، والتجربة المتراكمة، والقدرة على التحليل، ما يجعله صاحب رأي سديد وبصيرة نافذة.

وهذا ما رأيته في أمي؛ فقد كانت تتمتع بذكاء لافت، ولا سيما في قراءة المواقف واستشراف ما قد تؤول إليه الأمور، كما كانت تمتلك قدرة مميزة على فهم طبائع الناس، واستكشاف جوانب من شخصياتهم من خلال أحاديثهم وآرائهم وطريقة عرضهم لأفكارهم.

فراسة في قراءة الشخصيات

إن قراءة الشخصيات ليست أمرًا يسيرًا، ولا يستطيع كل إنسان أن يدرك حقيقة من أمامه بمجرد الاستماع إلى حديثه أو مناقشة رأيه؛ فذلك يحتاج إلى ملاحظة دقيقة، ووعي بالسياق، وقدرة على الربط بين الأقوال والتصرفات، مع التمييز بين الانطباعات العابرة والحقائق التي تكشفها المواقف المتكررة.

وكانت أمي، من خلال ما عايشناه وشهدناه، تمتلك هذه القدرة بدرجة لافتة. فما إن تدخل في حوار مع شخص، أو تستمع إلى رأيه في مسألة معينة، حتى تبدأ في تكوين تصور عن طبيعة تفكيره وأسلوبه في معالجة الأمور. ولم تكن تعتمد على الكلمات وحدها، بل كانت تنتبه إلى ما وراءها من دلالات، وتربط بين الحديث والظرف الذي قيل فيه، ثم تستخلص ما تراه أقرب إلى الصواب.

ولم تكن هذه القدرة تعني أنها لا تخطئ أو أن كل انطباع لديها معصوم من الخطأ، فالكمال لله وحده، وإنما المقصود أنها كانت تمتلك حسًّا فكريًّا واجتماعيًّا مميزًا، وتجربةً جعلتها أكثر قدرة على فهم الناس، والتعامل مع اختلاف طبائعهم، وتقدير ما يمكن أن يترتب على مواقفهم وقراراتهم.

وقد يرى بعض القراء الكرام أن في هذا الوصف مبالغةً من ابن يتحدث عن أمه، وأن عاطفة الابن قد تدفعه إلى المبالغة في إبراز محاسنها. وهذا احتمال أتفهمه، ولا ألوم من يذهب إليه؛ فمن الطبيعي أن تكون للأم مكانة استثنائية في قلب ابنها، وأن يصعب عليه أن يزن منزلتها بميزان الآخرين.

فالأم ليست شخصًا عابرًا في حياة أبنائها، بل هي ذاكرة الطفولة، وملاذ الشدائد، ودفء الأسرة، وجزء أصيل من وجدان الإنسان. ولا يمكن للكلمات أن تحيط بما تحمله الأم من محبة وتضحية وعطاء

لكنني، حين أكتب عن حكمة أمي ورجاحة عقلها، لا أستند إلى العاطفة وحدها، بل أستند إلى مواقف عشناها، وشواهد تناقلها أفراد الأسرة، وتجارب شهدها المقربون منها، وكان لها أثر واضح في حياتنا. وأدرك في الوقت نفسه أن القارئ الذي لم يعش تلك المواقف قد لا يستطيع أن يستوعب أبعادها كما استوعبناها نحن؛ فليس الخبر الذي يسمعه الإنسان كالموقف الذي يشهده، وليس الوصف كالمعايشة.

ولعل بعض القراء يتساءلون: كيف اكتسبت أمي هذه الملكة، وهي لم تنخرط في الأوساط العلمية، ولم تكن تمتلك مكتبة ثقافية متنوعة تستقي منها معارفها؟

والجواب أن المعرفة المكتسبة من القراءة والتعليم رافد أساسي لبناء العقل، لكنها ليست الرافد الوحيد. فهناك الخبرة العملية، والملاحظة، والتجربة، والتأمل، والاحتكاك بالناس، والقدرة على فهم العلاقات بين الأسباب والنتائج. وكلها روافد تسهم في تكوين الحكمة، متى أحسن الإنسان الإفادة منها.

وقد تتفاوت طرق اكتساب المعرفة من شخص إلى آخر، لكن العبرة ليست بمصدر المعرفة وحده، بل بكيفية توظيفها في الحياة، وبما تثمره من حسن التصرف، وصواب الرأي، وسلامة التدبير.

شهادة والدي: أمي مستشارته الأولى

ومن الشواهد التي أعتز بها على حكمة أمي ورجاحة عقلها شهادة والدي، رحمهما الله تعالى، الذي كان يعدّها مستشارته الأولى في شؤونه الشخصية والأسرية. فقد كان يثق برأيها، ويستمع إلى مشورتها، ويجد في حديثها ما يعينه على النظر في الأمور من زوايا قد لا تكون حاضرة في ذهنه.

ومع ذلك، لم تكن أمي تفرض رأيها عليه، أو تنتزع منه حق اتخاذ القرار، بل كانت تعرض وجهة نظرها وتوضح ما تراه من أسباب ونتائج، ثم تترك له حرية الاختيار. وهذه في حد ذاتها صورة من صور الحكمة؛ إذ تجمع بين قوة الرأي واحترام إرادة الآخر، وبين تقديم النصيحة وعدم تحويلها إلى وسيلة للسيطرة.

وكان والدي، بحسب ما نقل إلينا بعض أفراد الأسرة من أحاديثه المباشرة، يشعر بالندم الشديد في بعض المواقف التي كان يستشير فيها أمي، ثم يرجّح رأي بعض أقاربه أو أصدقائه على رأيها، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بقرارات خارج نطاق الأسرة، كشراء الأراضي والعقارات واختيار المواقع المناسبة للاستثمار.

فقد كانت أمي تنظر إلى بعض المواقع نظرةً مستقبلية، وتقرأ فيها فرصًا لم تكن واضحة لكثير ممن عاصروها. وربما بدا الموقع في ذلك الوقت بعيدًا عن العمران، أو محدود الجدوى، أو خاليًا من المقومات التي تجعله محل اهتمام؛ ولذلك لم يكن بعض من حول والدي يرون فيه قيمة تستحق المغامرة أو تخصيص المال لشرائه.

أما أمي، فكانت تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة؛ إذ لا تقف عند واقع الأرض في وقتها، بل تتأمل موقعها، وما قد تشهده المنطقة من تغيرات عمرانية واقتصادية، وما يمكن أن تؤول إليه قيمتها بعد سنوات. وكانت تنبّه والدي إلى أن ما يبدو اليوم أرضًا زراعية أو موقعًا بعيدًا قد يتحول غدًا إلى أصل عقاري ذي قيمة مرتفعة، وأن مثل هذه القرارات قد ترسم جانبًا مهمًّا من مستقبل الأسرة وأبنائها.

لكن بعض الآراء المعارضة كانت تدفع والدي أحيانًا إلى التراجع عن الأخذ بمشورتها، أو إلى ترجيح وجهات نظر أخرى. ثم تمضي السنوات، وتتغير الظروف، وتتوسع المناطق العمرانية، وتظهر القيمة التي كانت أمي تتوقعها، فيتضح أن تقديرها كان، في تلك المواقف، أقرب إلى الصواب.

وكان والدي يندم حين يتذكر تلك المواقف، ويستحضر ما أشارت إليه أمي من احتمالات تحققت لاحقًا. ولم يكن ذلك مجرد حديث عن شراء أرض أو ارتفاع قيمتها، بل كان درسًا في أهمية الاستماع إلى الرأي المدروس، وعدم الانسياق وراء آراء الآخرين لمجرد أنهم أكثر حضورًا في المجتمع أو أكثر ثقةً في طرح وجهات نظرهم.

ولا يعني هذا أن كل رأي يخالف رأي الأكثرية هو الصواب، أو أن مخالفة الآخرين دليل على الحكمة؛ وإنما العبرة في وزن الآراء بأدلتها، وفهم الظروف المحيطة بها، والنظر في النتائج المحتملة، بعيدًا عن المجاملة أو التأثر بالمكانة الاجتماعية لأصحابها.

وقد كانت هذه المواقف، في نظرنا، من أبرز الشواهد على بُعد نظر أمي، وعلى قدرتها على التفكير في المستقبل بعقلية تتجاوز حدود الواقع القريب. وهي ليست إلا نموذجًا من نماذج عديدة تناقلتها الأسرة من سيرتها وتجاربها، وشهدت كيف كانت حاضرة الفكر، حريصة على حاضر أسرتها ومستقبلها، تسعى إلى أن تترك لأبنائها ما يعينهم على مواجهة الحياة بثقة واستقرار.

العقل والعاطفة في حل المشكلات

ولم تقتصر حكمة أمي على المسائل المالية والعقارية، بل امتدت إلى حل المشكلات الأسرية والعائلية والاجتماعية. فقد كانت موضع استشارة في كثير من المواقف التي تتشابك فيها الآراء، وتتباين فيها وجهات النظر، وتتعقد فيها العلاقات بين الناس.

وكانت تمتلك قدرة لافتة على الاستماع، وفهم أطراف المشكلة، والتمييز بين أسبابها الظاهرة وأسبابها العميقة. فلم تكن تتعجل إصدار الأحكام، ولم يكن همّها أن تنتصر لطرف لمجرد قربه منها، بل كانت تحاول الوصول إلى ما تراه أقرب إلى الحق والصواب، مع مراعاة ما يترتب على الحل من آثار في العلاقات الأسرية والاجتماعية.

ومن الأمور التي تستحق التأمل في شخصيتها أنها كانت تجعل العقل والرشد أساسًا في معالجة المشكلات، ثم تفسح للعاطفة مجالها الإنساني في إتمام الحل، لا في إفساد ميزانه. كانت تعرف متى يكون الحزم ضرورة، ومتى يكون التسامح أولى، ومتى تحتاج المشكلة إلى كلمة صريحة، ومتى يكون الصمت أو التريث أجدى من كثرة الكلام.

وهنا تتجلى أهمية التوازن بين العقل والعاطفة؛ فالعقل وحده، إذا خلا من الرحمة، قد يجعل الإنسان قاسيًا في أحكامه، والعاطفة وحدها، إذا انفردت بتوجيه القرار، قد تدفعه إلى التحيز أو التغاضي عن أسباب المشكلة الحقيقية. أما الحكمة، فهي أن يمنح الإنسان كلًّا منهما مكانه المناسب، فيفكر بعقل متزن، ويتعامل بقلب رحيم، ويبحث عن الحل الذي يحقق العدل ويقلل الضرر قدر الإمكان.

وقد رأينا في بعض مشكلات عصرنا كيف تتفاقم الخلافات الأسرية والاجتماعية عندما يسبق الانفعال التفكير، ويصبح الهدف إثبات الخطأ على الطرف الآخر بدلًا من البحث عن مخرج يحفظ الحقوق ويعيد الاستقرار. وحين تتحول العاطفة إلى المعيار الوحيد للحكم، قد تتضخم المشكلة، وتبتعد الأطراف عن الحلول المنطقية، وتصبح الكلمات الجارحة والمواقف المتسرعة عقبات جديدة أمام المصالحة.

أما أمي، فكانت تدرك أن المحبة لا تعني الموافقة على كل تصرف، وأن القرب من الإنسان لا يقتضي الانحياز إليه في كل خلاف، وأن النصيحة الصادقة قد تكون أحيانًا في مواجهة من نحب، لا في مجاراته فيما يريد.

ولذلك، حتى عندما يكون أحد أطراف المشكلة شخصًا عزيزًا عليها، كزوجها أو أحد أبنائها أو بناتها، فإنها كانت تحاول أن تنظر إلى الموقف بعين البصيرة، لا بعين العاطفة وحدها. فلم تكن ترى أن الأمومة أو الزوجية تعنيان تبرير الخطأ، بل كانت تؤمن بأن المحبة الحقيقية تقتضي توجيه الإنسان إلى ما ينفعه، وإن كان ذلك مخالفًا لرغبته الآنية.

وهذه، في تقديري، من أعمق صور التربية؛ فليس المربي الحكيم من يمنح أبناءه ما يرضيهم في كل حين، بل من يساعدهم على التمييز بين ما يرغبون فيه وما يحتاجون إليه، وبين ما يريحهم مؤقتًا وما ينفعهم على المدى البعيد.

ذاكرة متقدة حتى ما بعد التسعين

ومن الجوانب التي لا تزال حاضرة في ذاكرتنا قوة ذاكرة أمي، وسعة استيعابها، وقدرتها على التركيز وربط الأحداث بعضها ببعض، حتى بعد أن تجاوزت التسعين من عمرها. فقد بقيت، في كثير من المواقف التي شهدناها، تستحضر تفاصيل وتجارب سابقة، وتربطها بما يستجد أمامها، وكأن سنوات العمر لم تستطع أن تطفئ ذلك الحضور الذهني الذي عُرفت به.

ولم تكن قيمة هذه الذاكرة في حفظ التفاصيل فحسب، بل في قدرتها على استدعاء التجارب في الوقت المناسب، والاستفادة منها في فهم المواقف الجديدة. فالذاكرة حين تقترن بالتأمل والخبرة تتحول إلى رصيد من الدروس، وتصبح الأحداث الماضية مفاتيح لفهم الحاضر، ومصادر للاستفادة عند اتخاذ القرارات.

وقد تعلمنا من أمي أن الإنسان لا يُقاس بعمره وحده، ولا بعدد الشهادات التي يحملها، بل بما يكتسبه من خبرة، وما ينضج فيه من وعي، وما يتركه من أثر في حياة الآخرين. فهناك من تمضي به السنوات دون أن يستخلص من تجاربه إلا القليل، وهناك من يجعل من كل تجربة درسًا، ومن كل موقف فرصة للفهم، ومن كل مسؤولية مجالًا للنضج والرشد.

أمي.. مدرسة في الحكمة والرشد

رحلت أمي عن دنيانا، لكن سيرتها لم ترحل، ومواقفها لم تغب عن ذاكرتنا، ودروسها ما زالت حاضرة في تفاصيل حياتنا. كلما استعدنا موقفًا من مواقفها، أو تذكرنا نصيحة من نصائحها، أدركنا أن بعض الناس يتركون بعد رحيلهم إرثًا لا تقاس قيمته بالمال أو الممتلكات، بل بما يغرسونه في عقول أبنائهم وقلوبهم من قيم ومبادئ وتجارب نافعة.

لقد كانت أمي بالنسبة إلينا أكثر من أم؛ كانت مدرسةً في التدبير، ومرجعًا في المشورة، وصاحبة رأي نعود إليه حين تضيق بنا الخيارات، ونحتاج إلى من يساعدنا على رؤية الأمور بوضوح. ولم تكن حكمتها ادعاءً أو شعارًا تردده، بل كانت سلوكًا نلمسه في طريقة تعاملها مع الناس، وفي قراراتها، وفي قدرتها على الموازنة بين المصالح، وفي حرصها على أن يكون ما تختاره نافعًا لأسرتها ومستقبل أبنائها.

ولعل أعظم ما يمكن أن نتعلمه من سيرتها أن الحكمة ليست ترفًا فكريًّا، بل ضرورة حياتية، وأن الرشد لا يعني أن يمتلك الإنسان إجابة عن كل سؤال، وإنما أن يعرف كيف يفكر، ومتى يتريث، ومتى يستشير، وكيف يراجع رأيه إذا ظهرت له حقيقة جديدة. كما أن الحكمة ليست في أن ينتصر المرء لرأيه دائمًا، بل في أن يبحث عن الصواب حتى لو كان عند غيره.

رحمكِ الله يا أمي رحمة الأبرار، وجزاكِ عنّا خير الجزاء، فقد تركتِ في حياتنا من الدروس ما سيظل حاضرًا ما حيينا، ومن الذكريات ما يعجز الزمن عن محوه، ومن الأثر الطيب ما لا ينتهي بانتهاء العمر.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ما قدمتِه من عطاء وتضحيات في ميزان حسناتكِ، وأن يؤنس وحشتكِ، وينوّر مرقدكِ، ويرفع درجتكِ في عليين، ويحشركِ مع محمد وآله الطيبين الطاهرين، بحق محمد وآل محمد.

رحمكِ الله يا أمي، فقد كنتِ في حياتكِ عنوانًا للحكمة والرشد، وستبقين في قلوبنا مدرسةً لا يغلقها الرحيل، وذكرى لا يطفئها الغياب.