الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الحُجُرات… أخلاقٌ تُبنى، ومجتمعاتٌ تُصان

محمد الدعيلجالثلاثاء 13 أكتوبر 2026، 2:36 م
الحُجُرات… أخلاقٌ تُبنى، ومجتمعاتٌ تُصان

ما أحوجنا إلى أن نتعلّم كيف نعيش معاً، قبل أن نتعلّم كيف نختلف! فالحياة لا تستقيم بكثرة ما نملك، ولا بما نبلغه من مكانة، وإنما تستقيم حين نعرف كيف نتعامل مع بعضنا، ونحفظ للإنسان كرامته، وللمجتمع تماسكه.

فالإنسان كائن اجتماعي، لا تكتمل سعادته في العزلة، ولا تستقيم حياته دون الآخرين؛ يأخذ منهم ويعطيهم، ويأنس بقربهم، ويستعين بهم على مشاق الحياة. ومن هنا كانت الحاجة إلى قواعد تهذّب السلوك، وتضبط العلاقات، وتضمن تعايشاً يسوده الاحترام، ويثمر الخير للجميع.

ولعلّ المتأمل في سورة الحجرات يجد فيها دستوراً ربانياً فريداً للحياة الاجتماعية، يجمع في آياته قواعد التعامل، وينتقل بالإنسان من تهذيب علاقته بالله ورسوله إلى تهذيب علاقته بالناس، في نسق بديع، ولغة واضحة، وحكمة بالغة.

تبدأ السورة بتعليمنا أدب المقام، واحترام أمر الله ورسوله، ثم ترشدنا إلى خفض الصوت، وتعلّمنا أن الوقار ليس في ارتفاع الأصوات، ولا في استعراض القوة، بل في أدب الحديث واحترام الآخرين.

ثم تضع قاعدة التثبّت من الأخبار، في قوله تعالى: ﴿إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ . وكأنها تقول لنا: لا تجعلوا ألسنتكم جسوراً تعبر عليها الشائعات، ولا تكونوا أدواتٍ في أيدي ناقليها؛ فكم من خبر لم يُمحّص أشعل خصومة، وكم من كلمة نُقلت بغير تثبّت أفسدت علاقة. إن التثبّت مسؤولية أخلاقية، وصيانة للمجتمع من أن تهدمه الأخبار قبل أن يتبيّن صدقها.

وتعلّمنا السورة ألا نترك الخلاف يتحوّل إلى عداوة، فتدعو إلى الإصلاح بين المتخاصمين بالعدل. وهنا درس عظيم: أن الإصلاح ليس انحيازاً إلى طرف دون آخر، وإنما انحياز إلى الحق؛ فليس النبل في تأجيج الخلاف، بل في امتلاك الحكمة لإطفاء ناره، والشجاعة لإصلاح ذات البين.

ثم تأتي قواعد تحفظ للإنسان كرامته، وللمجتمع نقاءه؛ فلا سخرية، ولا لمز، ولا تنابز بالألقاب. يقول تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ . يا لها من تربية راقية! إنها تذكّرنا بأن ما نراه في غيرنا موضعاً للسخرية قد يكون عند الله موضعاً للكرامة، وأن الكلمة التي تُضحك مجلساً قد تترك في قلب إنسان جرحاً لا يندمل.

ومن ظاهر السلوك تنتقل بنا السورة إلى خفايا النفوس، فتنهى عن سوء الظن والتجسس والغيبة، في قوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ . إنها سلسلة أخلاقية تكشف كيف تبدأ الإساءة بفكرة، ثم تتضخم بالبحث عن العيوب، وتنتهي بتمزيق الغائب في المجالس. فما أجمل أن يلتمس المرء العذر، ويحفظ السر، ويستر الزلة، ويصون غائباً كما يصون حاضراً!

ثم تبلغ السورة ذروة خطابها الإنساني حين تردّ الناس إلى أصل واحد، وتضع معيار التفاضل في موضعه الصحيح، بعيداً عن الأنساب والألوان والمظاهر، في قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ .

﴿لِتَعَارَفُوا﴾ … كلمة قصيرة، لكنها تفتح أبواباً واسعة من الحكمة. فالتنوّع ليس دعوة إلى التنافر، والاختلاف ليس مبرراً للتعالي، والانتماء ليس صكّاً لاحتقار الآخرين؛ بل هي وجوه متعددة لحكمة الخالق، وفرصة للتعارف والتعاون. أما الكرامة الحقيقية فلا تُشترى بنسب، ولا تُمنح بلون أو منصب، وإنما ترتبط بالتقوى وما تثمره من صدق وعدل وإحسان.

وتذكّرنا السورة في ختامها بحقيقة الإيمان، وأنه ليس دعوى تُرفع باللسان، بل حقيقة تتجلّى في القلب والعمل والطاعة؛ فكلما صدق الإيمان، انعكس أثره على السلوك، وصار الإنسان أكثر رحمةً وإنصافاً، وأبعد عن الأذى والعدوان.

تلك هي سورة الحجرات؛ لا تقف بنا عند حدود التلاوة، بل تدعونا إلى أن نجعل القرآن حاضراً في تفاصيل حياتنا: في مجالسنا، وحديثنا، وأحكامنا على الناس، وطريقة اختلافنا معهم، وما نقوله في حضورهم وغيابهم.

فما أحوجنا إلى أن نقرأ سورة الحجرات قراءةَ سلوكٍ لا قراءةَ حروف؛ قراءةً تجعلنا نتثبّت قبل أن ننقل، وننصف قبل أن نحكم، ونصلح قبل أن نلوم، ونحفظ ألسنتنا عن الأذى، وقلوبنا عن الضغينة، ونفوسنا عن الكبر.

فحين تصبح هذه القواعد جزءاً من وعينا اليومي، لن تكون سورة الحجرات آياتٍ نتلوها فحسب، بل أخلاقاً نعيشها، وقيماً نمارسها، وأثراً طيباً نتركه في حياة الآخرين.