الأربعاء 14 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

حين يصبح الخلاف اغتيالًا للسمعة

فوزي آل غريبالأربعاء 14 أكتوبر 2026، 1:37 م
حين يصبح الخلاف اغتيالًا للسمعة

أقسى ما في بعض الخصومات أن تكتشف أنك لا تواجه خلافًا مع شخص، بل تواجه نسخة مشوّهة منك، صنعها ذلك الشخص وتركها تتحدث عنك في غيابك. نسخة لا تعرف وفاءك، ولا تحفظ مواقفك، ولا تروي ما جرى كاملًا؛ تختصر سنواتك في زلّة، وتنتزع كلماتك من سياقها، ثم تقدّمك إلى الأصدقاء المشتركين بوصفك المخطئ الوحيد في حكاية لم يُسمح لك بروايتها.

الخلاف جزء من العلاقات الإنسانية، وقد تنتهي علاقة رغم ما كان فيها من محبة وتقدير. لكن انتهاء العلاقة لا يمنح أحدًا حق العبث بسمعة الآخر، ولا يحوّل المعرفة بأسراره إلى إذنٍ بنشرها. هناك حدود أخلاقية ينبغي أن تبقى قائمة، حتى حين تسقط المودة؛ لأن ما عرفناه عن إنسان في لحظة اطمئنان يظل أمانة، حتى لو انقطعت بيننا سُبل الوصل.

وتتجلى قسوة الموقف حين يكون من أساء هو نفسه من يسارع إلى تشويه صورة من وقعت عليه الإساءة. عندها يُضاف إلى الخطأ ظلمٌ آخر: تُحذف البداية من الرواية، ويُعرض رد الفعل وحده. يُذكر غضب الطرف الآخر، ويُسكت عمّا أغضبه؛ يُدان ابتعاده، وتُخفى المواقف التي دفعته إليه. وقد تكون بعض التفاصيل المنقولة صحيحة، لكن ترتيبها حول ما حُذف منها يمنحها معنى لا ينصف الحقيقة.

وفي هذه الرواية المبتورة، يجد الشخص المتضرر نفسه أمام عبء لم يختره: كيف يشرح ما جرى دون أن يكشف ما تعهّد بحفظه؟ وكيف يدافع عن نفسه دون أن تتحول علاقاته إلى جلسات استجواب؟ أيرد على كل كلمة تُنقل إليه، أم يترك لأناس يعرفونه مسؤولية التثبت قبل الحكم؟ ومن أشدّ ما يؤلم الإنسان في تشويه سمعته أن يجد نفسه مضطرًا إلى الدفاع عن أخلاقه أمام من ظنّ أنهم عرفوه حقّ المعرفة خلال سنوات العِشرة.

ويزداد الوجع عندما يصل الكلام إلى الأصدقاء المشتركين. فهؤلاء يعرفون الوجوه قبل الخلاف، وشهدوا شيئًا من الود والمواقف. ومع ذلك، قد يصبح المجلس الذي كان يجمع الجميع مكانًا يشعر فيه أحدهم بأنه متهم، يقرأ التردد في الترحيب، ويحتار أمام سؤال يحمل حكمًا مسبقًا. هنا يتجاوز الأذى حدود العلاقة المنتهية إلى شعور الإنسان بالأمان في محيطه.

ولهذا تقع على من يسمع مسؤولية أخلاقية أيضًا. الصداقة لا تلزمنا بتصديق كل اتهام، والتعاطف مع ألم أحد الأطراف لا يستوجب إدانة الآخر. نستطيع أن نواسي دون أن ننشر، وأن نستمع دون أن نحاكم، وأن نرفض تحويل قربنا من شخص إلى خصومة مع شخص آخر. وليس من الإنصاف أن يُعامل صمت الغائب كأنه اعتراف، أو أن تُحسب أسبقية الكلام دليلًا على صدقه.

وفي المقابل، لا يجوز أن نجعل حفظ الخصوصية ذريعة لإسكات من وقع عليه ظلم. من حقه أن يطلب المساندة، وأن يوضح الوقائع، وأن يدافع عن سمعته. لكن طلب الإنصاف يقتضي الصدق فيما نذكر، والدقة فيما ننسب، وقصر الإفصاح على ما يحتاج إليه رفع الضرر. أما إضافة ما لم يحدث، أو توظيف الأسرار للإذلال، فلا يمنحهما الألم شرعية.

قد لا تعود العلاقات إلى ما كانت عليه، وقد يكون الابتعاد هو النهاية التي يقبلها الطرفان. ومع ذلك، يبقى في وسع الإنسان أن يغادر دون أن يهدم صورة من عرفه، وأن يقرّ بخطئه دون أن يبحث عن شخص يحمّله تبعاته، وأن يقول: اختلفنا، دون أن يجعلها تعني أن الآخر لم يكن يومًا جديرًا بالاحترام.

فالاختبار الأخلاقي الأصعب يبدأ حين لا تبقى مصلحة في حفظ الود. عندها تظهر قيمة الإنصاف: أن تملك ما يؤذي، فتحفظ الأمانة؛ وأن تتألم، فتلتزم الحقيقة؛ وأن تنتهي علاقتك بإنسان، دون أن تسعى إلى إنهاء مكانته في عيون الآخرين.