الأربعاء 14 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

شيطان المقود والقلم… مرة أخرى

يعقوب السليسالأربعاء 14 أكتوبر 2026، 1:39 م
شيطان المقود والقلم… مرة أخرى

المشهد الأول:

كلاهما كان يقصد بوابة قاعة الأفراح، ولكنهما قادمان من زاويتين مختلفتين. التقيا عند المدخل…

- تفضل.

- أبد ما يصير. تفضل أنت الأول.

- لا والله. يمين طال عمرك، تفضل.

وبعد شيء من الأخذ والرد، دخل أحدهما وتبعه الآخر.

المشهد الثاني:

انطلق صاحبنا بسيارته، وبعد مسافة فوجئ بزحام. المسار المجاور مغلق بسبب حفريات، والسيارات فيه مضطرة للاندماج في المسار المفتوح.

السائق الذي أمامه في المسار المغلق أعطى إشارة طالبًا الدخول أمام صاحبنا؛ صاحب «لا والله… يمين طال عمرك».

«شلون يسقط عليّ؟ يخسي!»

وداس البنزين وأغلق المسافة أمامه.

المشهد الثالث:

نقاش محتدم في أحد المجالس:

- أنا رأيي أن…

- لا، شوف، أنت…

- معليش، خلني أكمل طرح فكرتي ورأيي.

- أوه، معليش، عذرًا. تفضل كمل…

وتراجع صاحبنا وأنصت حتى انتهى المتحدث.

المشهد الرابع:

وصل إلى البيت. ترجل من السيارة، وأخرج جواله من جيب ثوبه الأيسر وهو يتمتم:

«من مفكر حاله؟ الحين أوريه على فيسبوك… هذا الغبي اللي ما يفهم شي!»

إنه الرجل نفسه.

عند باب القاعة يكاد يقسم عليك أن تسبقه، وفي المجلس يعتذر لأنه قاطع حديثك. لكنه خلف المقود يرفض أن يمنحك مترين من الإسفلت، وخلف الشاشة قد يقول لك ما يصعب أن يقوله وهو ينظر في عينيك.

قبل عقد من الزمان تطرقت إلى هذا السلوك وكتبت مقالًا بعنوان «شيطان المقود والقلم». اعتمدت حينها على ملاحظاتي ورأيي الشخصي.

هذه المرة خطر لي أن أعود إلى «الشيطان»، ولكن بسؤال مختلف:

هل لدى علم النفس تفسير لما يحدث لصاحبنا؟

في عام 1995، أجرى باحثون تجربة ميدانية طريفة على ستين سائقًا. تتوقف سيارة أمام السائق عند إشارة المرور، وعندما تتحول الإشارة إلى الأخضر تبقى مكانها اثنتي عشرة ثانية. ويسجل الباحثون ما يحدث خلفها: متى يبدأ البوق؟ وكم مرة؟ وكم يستمر؟

كانت هناك حيلة أخرى في التجربة. بعض السائقين كانوا ظاهرين في سيارات مكشوفة أو مركبات بسقف مفتوح، بينما وفر السقف المغلق للمجموعة الأخرى قدرًا أكبر من إخفاء الهوية.

النتيجة؟

الأقل ظهورًا كانوا أسرع في إطلاق البوق، وأكثر تكرارًا له، وأطول ضغطًا عليه.

ناقش الباحثون النتيجة في إطار مفهوم يسمى Deindividuation أو «فقدان التفرد»؛ فعندما يشعر الإنسان بأنه أقل ظهورًا للآخرين، قد تضعف بعض القيود الاجتماعية التي تضبط سلوكه.

وأنا أقرأ التجربة، قفزت إلى ذهني السيارات ذات الزجاج شديد التعتيم التي نراها في شوارعنا.

لن أتورط وأقول إن التظليل يجعل السائق عدوانيًا! لكن ألا تستحق الفكرة التأمل؟ أنت ترى السيارات والناس من حولك، بينما هم بالكاد يرونك.

فالزجاج الداكن لا يحجب الشمس وحدها؛ بل يحجب شيئًا من نظرات الآخرين أيضًا.

وتأمل المفارقة: قد يصطدم الرجل بعربة التسوق الخاصة بك في السوبرماركت، فيبتسم ويقول: «معليش، حقك عليّ». وبعد عشر دقائق، ضع كل واحد منكما داخل سيارة، وقد تتحول محاولة الانتقال من مسار إلى آخر إلى معركة كرامة!

لم تتغير أخلاق الرجل في عشر دقائق، لكن شيئًا في الموقف تغير.

وهنا جاءني السؤال الآخر: إذا كان الاختفاء النسبي خلف زجاج السيارة قادرًا على التأثير في السلوك، فماذا عن الاختفاء خلف الشاشة؟

وجدت أن عالم النفس جون سولر «John Suler» نشر عام 2004 بحثًا أصبح من المراجع المعروفة في دراسة السلوك على الإنترنت، ووصف فيه ظاهرة Online Disinhibition Effect, أو «تأثير الانفلات السلوكي على الإنترنت».

حدد سولر ستة عوامل قد تساعد على هذا الانفلات. والذي يهمنا هنا خصوصًا إخفاء الهوية وعدم رؤية الطرف الآخر، إضافة إلى غياب رد الفعل المباشر والشعور بانخفاض حضور السلطة والمحاسبة.

هنا بدأت أفهم بصورة أفضل ما كنت قد سميته قبل سنوات «شيطان المقود والقلم».

في السيارة قد يتحول الشخص الآخر في ذهنك إلى مجرد «سيارة تحاول أن تسقط عليك». وعلى فيسبوك قد يختصر إنسان كامل إلى اسم حساب ورأي أغضبك. لا ترى تعبير وجهه عندما تصفه بالغبي، ولا تسمع نبرة صوته، ولا تواجه الصمت المحرج الذي قد يعقب كلمة جارحة لو قلتها في مجلس.

وهذا أيضًا يجعلني أتردد في العبارة التي نكررها كثيرًا: «وسائل التواصل تكشف حقيقة الناس».

ليس بهذه البساطة.

سولر نفسه يناقش مسألة «الذات الحقيقية»، ويحذر من اختزال السلوك الإلكتروني في أنها الشخصية الحقيقية التي خرجت من مخبئها. البيئة نفسها تغير بعض الظروف التي تحيط بتصرف الإنسان.

وهنا يجب أن أكون حذرًا أيضًا: دراسة سائقي السيارات ودراسة سولر لا تقولان إن «شيطان المقود» و«شيطان القلم» ظاهرة نفسية واحدة. الأولى درست أثر المجهولية في سلوك القيادة، والثانية درست الانفلات السلوكي على الإنترنت.

أما الربط بينهما فهو محاولتي أنا لفهم ذلك الرجل الذي بدأنا به المقال.

وأظن أن بين الحالتين خيطًا يستحق التأمل: كلما ابتعدنا عن المواجهة المباشرة، واختفى وجه الإنسان الآخر، وقل إحساسنا بأنه يرانا ونراه، أصبح من الأسهل أن نفعل أو نقول أشياء ربما نتردد فيها لو كان أمامنا.

ولهذا، بدل أن نفتش عن «الشيطان» داخل الشخصية، يمكن أن نجرب اختبارًا أبسط.

قبل أن تكتب تعليقًا وأنت غاضب، اسأل نفسك:

لو كان صاحب هذا الحساب جالسًا أمامي الآن في المجلس، هل سأقول له العبارة نفسها وأنا أنظر في عينيه؟

وقبل أن تدوس البنزين حتى تمنع سيارة من الدخول أمامك، تخيل أنك ستقابل سائقها بعد خمس دقائق عند باب قاعة الأفراح.

ترى…

أيّكما سيقول للآخر: «لا والله… يمين طال عمرك، تفضل»؟

على الهامش...

في عام 2015 أطلق الكاتب والفيلسوف الإيطالي أمبرتو إيكو عبارته اللاذعة عن وسائل التواصل الاجتماعي. قال، بما معناه، إنها منحت حق الكلام لجحافل من الحمقى، كانوا في السابق يتحدثون في الحانة بعد كأس من النبيذ ثم يتم إسكاتهم، بينما أصبح لهم اليوم الحق نفسه في الكلام الذي يتمتع به حامل جائزة نوبل.

ربما كان إيكو قاسيًا بعض الشيء.

لكن ماذا لو كان صاحبنا يكتب منشوره على فيسبوك…

وهو جالس داخل سيارة بزجاج مظلل بالكامل؟!