الأربعاء 14 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
محليات

سرّ طول أعمارنا: جدّاتنا

صُبرةالأربعاء 14 أكتوبر 2026، 3:34 م
سرّ طول أعمارنا: جدّاتنا

ترجمة: عدنان أحمد الحاجي

يتسم الانتقاء الطبيعي (1) بأنانية قاسية، إذ يرجّح السمات التي تزيد من النجاح التناسلي (2)، أي التي تعزز فرص الكائن الحي في نقل جيناته إلى الأجيال اللاحقة

وهذا يعني عادةً أنه قادر على التخلص من الطفرات الجينية الضارة التي تظهر في مراحل الحياة المبكرة وخلال سنوات الخصوبة. غير أنه، وفقًا لهذا التصور، يفقد الانتقاء الطبيعي تأثيره عندما تنتهي القدرة على الإنجاب، فلا يعود معنيًا بما يحدث من تغيرات لأجسامنا. وبعد انقطاع الطمث، تصبح خلايانا أكثر عرضة لظهور الطفرات. ولدى الغالبية العظمى من الحيوانات، يرتبط ذلك عادةً بقِصر الفترة الفاصلة بين انتهاء القدرة على الإنجاب والموت. وهذا ما يجعل البشر، وكذاك بعض أنواع الحيتان، استثناءً لافتًا في عالم الحيوان؛ إذ يواصلون الحياة لعقود بعد انتهاء حياتهم التناسلية. فكيف نفسر قدرتنا على البقاء كل هذه العقود في ظل الانتقاء الطبيعي؟

قال مايكل غورڤن (Michael Gurven)، أستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا: “تمثل الحياة الممتدة لعقود بعد انقطاع الطمث لغزًا من منظور الانتقاء الطبيعي.” ففي معظم الحيوانات، بما فيها الشمبانزي، أقرب أقربائنا من الرئيسيات، ترتبط الخصوبة بطول العمر ارتباطًا وثيقًا؛ إذ يتراجع احتمال البقاء على قيد الحياة بالتوازي مع تراجع القدرة على التكاثر. أما لدى البشر، فتستطيع النساء العيش لعقود بعد انتهاء قدرتهن على الإنجاب. ويوضح غورڤن: “لا تقتصر المسألة على أن النساء يعشن بضع سنوات إضافية بعد انتهاء قدرتهن على الإنجاب، بل يعشن مرحلة عمرية متميزة تمتد لعقود بعد انقطاع الطمث”.

في دراسة نُشرت في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم (3)، تحدّى غورڤن (Gurven)، بصفته الباحث الرئيس في الدراسة، رأيًا سائدًا منذ زمن طويل. وقد شاركه في ذلك الرأي رازائيل داڤيسون (Raziel Davison)، الباحث السابق في مرحلة ما بعد الدكتوراه بجامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا والمتخصص في علم بيئة الجماعات الحية، الذي يدرس أعداد الكائنات الحية وتوزيعها وتكاثرها والعوامل المؤثرة في بقائها. ويرى هذا الرأي أن تأثير الانتقاء الطبيعي لدى النساء لا بد أن يتلاشى تمامًا بمجرد انتهاء القدرة على الإنجاب.

يؤكد الباحثان أن طول العمر بعد انتهاء القدرة على الإنجاب لا يُعزى فقط إلى ما شهده الطب والرعاية الصحية من تطورات على مدى القرون الماضية. ويوضح غورڤن: “إن إمكانية العيش عمرًا طويلًا جزء من طبيعتنا البشرية، وهي سمة تطورية تشكّلت عبر مسار الحياة (4).”

سر نجاحنا؟ جداتنا

قال غورڤن: “تتداول الأوساط العلمية منذ بعض الوقت أفكارًا بشأن الدور الذي يمكن أن يؤديه كبار السن. وتسعى دراستنا إلى صياغة هذه الأفكار في إطار علمي، وطرح سؤال مفاده: كيف تتغير قوة الانتقاء الطبيعي عندما نأخذ في الحسبان إسهامات كبار السن؟”

على سبيل المثال، تُعدّ “فرضية الجدة” (5) إحدى الفرضيات البارزة لتفسير طول عمر الإنسان. وتفترض هذه الفرضية أن الجدات من جهة الأم قد يعززن نجاحهن التطوري (صلاحيتهن البيولوجية)، (6، 7) وذلك من خلال مساعدتهن على زيادة فرص بقاء أسباطهن، بما يتيح لبناتهن إنجاب مزيد من الأطفال. ومن ثم، تسهم هذه المساعدة في تعزيز فرص انتقال حمض الجدة النووي إلى الأجيال اللاحقة.

ويوضح داڤيسون: “وهذا لا يعد تناسلًا مباشرّا، بل اسهام غير مباشر في التناسل، أفراد الجماعات البشرية لا يعتمدون على جهودهم الفردية وحدها لتأمين احتياجاتهم، بل يتعاونون ويتقاسمون الموارد، مثل الطعام والرعاية. فمثلًا، عندما تساعد الجدة في إطعام أسباطها ورعايتهم، فإنها تخفف العبء عن ابنتها، وقد تتيح لها إنجاب مزيد من الأطفال. وبهذه الطريقة، قد تسهم الجدة بصورة غير مباشرة في بقاء أسباطها، ما يزيد من احتمال انتقال جيناتها إلى الأجيال اللاحقة. لذا، فإن التعاون وتقاسم الموارد يمنحان البشر، بوصفهم كائنات اجتماعية، ميزة تطورية لا تتحقق بالاعتماد على الجهد الفردي وحده.

وانطلاقًا من جوهر هذه الفكرة، أي انتقال الموارد بين الأجيال وتقاسمها بين كبار السن ونسلهم، أوضح الباحثان في دراستهما أن هذا التقاسم (8) أسهم أيضًا بدور أساس في تشكيل أثر الانتقاء الطبيعي في مختلف مراحل العمر. ولعل تقاسم الطعام في المجتمعات غير الصناعية هو المثال الأوضح على تحديد قوة الانتقاء الطبيعي في مختلف مراحل العمر.

قال غورڤن، الذي درس اقتصاد شعب التسمانيين (Tsimané) في بوليفيا وتركيبتها السكانية، إلى جانب جماعات أخرى من السكان الأصليين في أمريكا الجنوبية: “قد يستغرق الأمر ما يصل إلى عقدين من الولادة حتى يصبح الفرد قادرًا على إنتاج غذاء يفوق ما يستهلكه. ولكي يتمكن الأطفال من الاعتماد على أنفسهم والإسهام بفاعلية في حياة الجماعة، لا بد من توفير كميات كبيرة من الطعام وتقاسمها معهم. ويسدّ الراشدون (الكبار) معظم هذه الحاجة بفضل قدرتهم على الحصول على غذاء يفوق احتياجاتهم الشخصية. وقد أسهم هذا النمط من توفير الغذاء في استدامة المجتمعات ما قبل الثورة الصناعية على مدى عصور، ولا يزال قائمًا في المجتمعات الصناعية أيضًا.”

النموذج أو الإطار التحليلي الذي استخدمه الباحثان لدراسة العلاقة بين إنتاج الغذاء وتقاسمه بين أفراد الجماعة، وفرص بقائهم وإنجابهم، وأثر ذلك في الانتقاء الطبيعي. فقد استعان الباحثان بهذا النموذج لتقدير مدى إسهام الفائض الغذائي الذي ينتجه الراشدون في دعم أقاربهم وغيرهم من أفراد الجماعة، وكيف يمكن لهذه المساعدة أن تعزز فرص بقاء المستفيدين وإنجابهم، بما يزيد من احتمال انتقال الجينات إلى الأجيال اللاحقة.

“في هذا النموذج، الفائض الكبير من الغذاء الذي ينتجه الراشدون يسهم في تعزيز فرص بقاء أقاربهم المقربين على قيد الحياة وتحسين فرصهم في الإنجاب، وينطبق الأمر نفسه على أفراد الجماعة الآخرين الذين يتقاسمون معهم الطعام بانتظام،” بحسب داڤيسون.

ويضيف: “بالنظر إلى إنتاج الغذاء وآثاره، يتبين أن الإسهام غير المباشر في نقل الجينات إلى الأجيال اللاحقة يبلغ ذروته أيضًا لدى الراشدين في سن الإنجاب. لكن تحليل بيانات ديموغرافية واقتصادية من جماعات متعددة من الصيادين وجامعي الثمار وممارسي البستنة (المزارعين) أظهر أن الفائض الغذائي الذي يوفره كبار السن يسهم بدوره في ترجيح بقائهم بفعل الانتقاء الطبيعي. وقدّرنا أن هذه المساهمة التطورية الإضافية في مرحلة الحياة المتأخرة، أي من سن الخامسة والستين فما فوق، تعادل ما يصل إلى بضعة أطفال إضافيين من حيث قيمتها التطورية”. بعبارة أخرى، كبار السن، رغم تراجع قدرتهم على الإنجاب أو انتهائها، قد يواصلون الإسهام في انتقال جيناتهم إلى الأجيال اللاحقة من خلال توفير الطعام ومساعدة أفراد الجماعة على البقاء والتناسل. وقدّر الباحثان أن الفائدة التطورية الناتجة عن هذه المساعدة، لدى من تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر، تعادل من حيث أثرها في انتقال الجينات الفائدة التي يمكن أن يحققها إنجاب بضعة أطفال إضافيين. وهذا تقدير للقيمة التطورية لمساهمة كبار السن، وليس معناه أنهم ينجبون أطفالًا إضافيين فعلًا؛ إذ إن مساعدتهم للآخرين قد تزيد فرص بقاء أفراد يحملون بعض جيناتهم، واستمرار انتقال هذه الجينات إلى الأجيال اللاحقة.

نبيّن أن لكبار السن قيمة، ولكن إلى حدٍّ معين فقط، يقول غورڤن. “لكن ليس جميع الجدات يقدّمن ما يعادل الموارد التي يستهلكنها. وعندما يبلغ الصيادون الجامعون والمزارعون نحو الخامسة والسبعين، يستهلكون موارد أكثر مما يوفّرون. كما أن معظم أحفادهم لا يعودون بحاجة إلى الاعتماد عليهم في معيشتهم. لذلك، لا يبقى سوى عدد قليل من الأقارب المقربين (أفراد الأسرة الذين تربطهم بكبار السن صلة قرابة وثيقة، مثل الأبناء والأحفاد والأسباط) الذين يمكن أن يستفيدوا من مساعدتهم.”

لكن الطعام ليس كل شيء؛ فالأطفال لا يحتاجون إلى الغذاء فحسب، بل إلى التعليم، وتعلّم التفاعل الاجتماعي، واكتساب المهارات الحياتية والتصورات التي تعينهم على فهم ما يجري في المحيط. وهنا تتجلى أهمية إسهامات كبيرات السن (المسنات)؛ فعلى الرغم من محدودية دورهن في توفير فائض الغذاء، فإنهن يمتلكن مهارات وخبرات تراكمت عبر سنوات حياتهن (9)، ويمكنهن توظيفها في تخفيف أعباء رعاية الأطفال عن الأمهات، فضلًا عن نقل معارفهن وخبراتهن إلى أسباطهن.

الجدير بالذكر، التفاعل الاجتماعي هو تعلّم الطفل كيفية التواصل مع الآخرين والتعامل معهم، من خلال تبادل الأحاديث، والتعاون، ومشاركتهم، وفهم مشاعرهم، واحترام القواعد الاجتماعية. ويكتسب الطفل هذه المهارات من خلال علاقاته اليومية بأفراد أسرته وأقرانه ومحيطه، بما يساعده على بناء علاقات اجتماعية والتكيف مع مجتمعه.

“عندما نأخذ في الحسبان أن الجدات يساعدن الآخرين أيضًا في البحث عن الغذاء وجمعه، ندرك أن إسهامهن يتجاوز ما يوفرنه من طعام،” كما أوضح غورڤن. “فمساهمتهن في إعالة الجماعة تعود عليهن بالنفع أيضًا؛ إذ يستفدن من فائض الغذاء ويحصلن على الحماية والرعاية من أفرادها. وهكذا، لا يقتصر تبادل المنافع على ما تقدمه الجدات للأجيال الأصغر سنًا، بل يشمل أيضًا ما تتلقاها منها.”

وأوضح دافيسون: “إذا كنت جزءًا من محيطي الاجتماعي، فقد تعود مساعدتي لك بالنفع عليّ أيضًا. وبقدر ما يعتمد بعضنا على بعض، تصبح لي مصلحة في نجاحك وتقدمك تتجاوز مجرد صلة القرابة. لذلك، أحرص على أن تكتسب أكبر قدر ممكن من المهارات؛ لأن ما تحققه من إنتاج قد يعود عليّ بالنفع في المستقبل”.

يرى غورڤن ودافيسون أن طول عمر الإنسان لم يكن هو السبب في ظهور التعاون الاجتماعي وأساليب البحث عن الغذاء التي تتطلب مهارات متقدمة، بل يُرجّح أن هذه الأساليب القائمة على المهارة والتعاون، إلى جانب الاهتمام بصحة أفراد الجماعة على المدى الطويل، أسهمت في تطور نمط الحياة البشري الذي يتميز بمرحلة طفولة طويلة وامتداد الحياة سنوات عديدة بعد انتهاء القدرة على الإنجاب بنحو استثتثنائي.

في المقابل، يستطيع الشمبانزي الحصول على غذائه بنفسه من بلوغه سن الخامسة تقريبًا. لكن البحث عن الطعام لديه يحتاج إلى مهارات أقل من تلك التي يحتاج إليها البشر، ولا يوفر له عادةً فائضًا كبيرًا يشاركه مع الآخرين. ويرى الباحثان أن السلف المشترك لو كان يتقاسم الطعام على نطاق أوسع، لساعد الشمبانزي أقاربه على البقاء والتكاثر. وقد يجعل ذلك الانتخاب الطبيعي أكثر تأثيرًا في مراحل العمر المتقدمة.

قال غورڤن: “يشير ذلك إلى أن طول عمر الإنسان يرتبط، في جوهره، بالتعاون بين أفراد الجماعة.” وأضاف: «فنادرًا ما تُشاهَد جدات الشمبانزي تقدم المساعدة لأسباطها.”

بالرغم من أن المؤلفين وضحا أن دراستهمما ركزت، للمرة الأولى، أساسًا على كيفية نشوء القدرة على طول العمر في سلالة الإنسان (Homo)، فإن ما تكشفه من دور المسنات في المجتمعات البشرية يحمل رسالة مهمة ينبغي أن نستحضرها ونحن نتطلع إلى المستقبل.

قال غورفين: “بالرغم من أن عدد كبار السن اليوم أكبر بكثير مما كان عليه في أي وقت مضى، فما زالوا يواجهون قدرًا كبيرًا من التمييز على أساس السن (10)، ولا يحظون بالتقدير الذي يستحقونه. فعندما بدا أن كوفيد-19 يفتك بكبار السن أكثر من غيرهم، لم يكترث كثيرون بمدى ضرورة فرض الإغلاق أو اتخاذ تدابير احترازية رئيسة أخرى. *

وأضاف: “يمتلك كبار السن من الحكمة والخبرة ما لا يستفيد منه المجتمع بالقدر الكافي. لذا، حان الوقت للتفكير بجدية في سبل تعزيز التواصل بين الأجيال، وإتاحة المجال للأجيال الأصغر سنًا للاستفادة مما راكمه كبار السن من حكمة وخبرة.”

ــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

1- https://ar.wikipedia.org/wiki/اصطفاء_طبيعي

2- https://ar.wikipedia.org/wiki/نجاح_تناسلي

3- https://www.pnas.org/doi/abs/10.1073/pnas.2200073119?af=R

4- https://ar.wikipedia.org/wiki/تطور

5- “فرضية «الجدة» تفسر وجود سن اليأس في التراث الإنساني وذلك بتشخيص قيمة التكيف لشبكة العلاقات القرابة الممتدة. وتلك الفرضية مبنية في الاساس على الفرضية السابقة المسماة “بفرضية الام / سن اليأس» والتي تبين انه كلما تقدم سن الأم فإن تكلفه التناسل ستزيد، وبالتالي فمن الأفضل أن تستثمر الطاقة المبذولة لهذا النشاط في مساندة نسلها في مساعيه للتكاثر. وتقترح تلك النظرية انه بتوجيه الجدات ذلك الجهد لدعم جهود نسلهن فإنهن سيتمكن من ضمان استمراريه جيناتهن عبر الاجيال اللاحقة من نسلهن. وبإعالة ودعم اسرهن، فإن هؤلاء الجدات لا يقمن فقط بضمان استيفاء اهتماماتهن الجينية ببقاء واستمرارها عبر الاجيال، ولكنهن أيضا يعززن علاقتهم الاجتماعية والتي يمكن أن تترجم إلى فرص أفضل لاكتساب المزيد من الموارد. وهذا التأثير قد يتجاوز دائرة الأقارب إلى دوائر مجتمعية أكبر.” ترجمناه من نص ورد على هذا العنوان:

https://en.wikipedia.org/wiki/Grandmother_hypothesis

6- https://ar.wikipedia.org/wiki/صلاحية_(أحياء)\

7- https://ar.wikipedia.org/wiki/تجميعة_الجينات

8- https://ar.wikipedia.org/wiki/تشارك_الطعام

9- https://ar.wikipedia.org/wiki/رؤية_كونية

10- https://ar.wikipedia.org/wiki/تفرقة_عمرية

المصدر الرئيس

https://www.news.ucsb.edu/2022/020677/importance-elders