الثلاثاء 13 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

عالقون في إسطنبول لـ حسين المقرن.. قراءة سوسيولوجية

جعفر العيد · القطيف اليومالأحد 5 مايو 2024، 8:46 م
عالقون في إسطنبول لـ حسين المقرن.. قراءة سوسيولوجية

عالقون في إسطنبول، رواية جديدة بقلم: حسين أحمد المقرن تقع في 167 صفحة من القطع الوسط، صادرة عن دار دراية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى للعام 2023م.

بعد أن استمتعت بقراءة هذه الرواية ساءلت نفسي ما الذي دعاني إلى قراءة هذه الرواية، فوجدت أن العنوان هو أول شيء أسرني، وأخذني إلى أحضانه، وبالفعل فإنه عنوان ناجح وجذاب، وتشعر بحركته من بعيد مما يثيره من شجون ومشاعر، فمن العالقون؟ ولماذا هم عالقون؟ ما قصتهم؟ وهل عادوا أم لا زالوا عالقين في تركيا؟.

(عالقون) يحكي قصة مجموعة من الأسر تسافر إلى سورية، ومن هناك يقرر شبان ثلاثة من هذه الأسر السفر إلى دولة تركيا وهذا ما حدث.

وبالعودة إلى الأصول الأسرية لهؤلاء الأقارب تتضح لنا صورة مبسطة لتشابك الروابط الأسرية بين قرى منطقة القطيف، وهي هنا تكشف عن صورة علاقة بين أسرتين واحدة من منطقة العوامية، وأخرى من منطقة جزيرة تاروت، هذا ما أراد أن يوصله لنا كاتب الرواية، مضفيًا الصورة الواقعية على مشهد الرواية.

العلاقة بين هاتين الأسرتين، تفتح الكثير من الأسئلة على بعض رموز ومؤثرات اجتماعية في تكوينات الثقافة الاجتماعية في المنطقة خصوصًا إذا ما طرح اسم منطقة (الغميري) وهي المنطقة التي لعبت دورًا مهمًا في ثقافة المجتمع القطيفي لفترة طويلة، مثلها مثل منطقة مسجد الخضر في جزيرة تاروت، من حيث أهميتها في بناء العلاقات الاجتماعية بين أبناء المنطقة مع الأسر والمجتمعات الخليجية، حيث تقصد بعض الأسر من الخليج العربي (الكويت، البحرين، عمان، قطر) هذا المكان للوفاء بنذورهم المعيّنة، هذا كله في فترة المجتمعات ذات العلاقات الأولية، والاقتصاد السعودي البسيط، مع أن التغيرات الشديدة قد أخذت مجراها، وألقت بثقلها على مفاصل مجتمعاتنا، عقيب ظهور النفط، وتشابك العلاقات الاجتماعية، وتنوع الاقتصاد، واحتضان البلاد الكثير من المجتمعات الوافدة.

هذه الخلخلة في الكيان الاجتماعي السعودي (الخليجي) يحاول المجتمع استيعابها والتكيف معها، محاولاً عدم خسران الرموز الاجتماعية القديمة بجميع عناصرها وعاداتها الذي تعوّد عليها، ويصعب عليه تركها.. مع محاولته استيعاب الجديد من الوارد على مجتمعه من عادات وسلوكيات جديدة تتناسب والتقدم المادي.

• تقسيمات الرواية:
جاء في الرواية 24 عنوانًا فرعيًا إضافة إلى الإهداء والمقدمة والفهرس، وجاءت العناوين كالتالي: (قبل الهواتف والإنترنت، البيئة والمكان، البدايات، درب الحافلة، إسطنبول الساحرة، القنصلية، حالة من الشك، رحلة العبارة، رسائل طائر النورس، ظهور ليلى، مدينة يالاوة (يالافا)، ساعة الصفر، الإفاقة، العودة إلى إسطنبول، الحيرة، مشردون، عودة الأمل،... العودة إلى الوطن، بعد سبعة وثلاثين عامًا).

• شخصيات الرواية:
أم حسام وأم عيسى أختان ولدتا في منطقة العوامية، تزوجت الأولى زوجًا من جزيرة تاروت، بينما تزوجت الأخرى برجل من العوامية، رزقا بأولاد يشبهانهما، ربما في ترابطهما مع بعض.

وقد تتفوق عاطفة أم عيسى بدرجة على أختها وأولادها، وعلى الرغم أن الروائي لم يفصح عن ذلك، لكن ربما يكون بسبب اغتراب أم حسام عن مسقط رأسها، بينما تتنعم أم عيسى بأجواء بلدها الأول العوامية، وتعيش في حي الريف الأقرب إلى مسجد ومنطقة الغميري التي تعد سياحية (من الدرجة الأولى) في ذلك الوقت.

عادل وحسام أخوان ينحدران من أسرة تاروتية، والدتهما ترجع في أصولها إلى منطقة العوامية، وأبناء خالتهما (حسن ومنير) يعودان إلى أبوين من العوامية.

عن هذه العواطف يورد الروائي على لسان حسام سلوك خالته عند زيارتهما لها (يحدث لها حالة من الإرباك، بحيث تسخر كل طاقاتها، وإمكاناتها في سبيل إسعادنا، والقيام على راحتنا، وقد نبقى طوال اليوم معهم، وبعض الأحيان نضطر إلى المبيت بسبب حلول الظلام).

غذاء خالتي (يقول حسام) وطبخها مميز جدًا، فهي تجيد صناعة الأطباق البحرية التي نحبها نحن أهالي تاروت.
(عالقون في إسطنبول ص 18).

• البيئة والمكان:
لم أفضل هذا العنوان في بداية الرواية لأنه يشابه عناوين ما يكتب في كتب التاريخ والجغرافيا، لكن يحدث هذا، فليس هناك قيود حديدية على الكتَاب فيما يعنونون، لكن من المهم أن يسأل الكاتب نفسه عما إذا كان هذا العنوان ومحتوياته، لها مكانها في بنية الرواية، أو يمكن الاستغناء عنها.

وعندما نتابع منحنيات تدفق المعلومات نجدها اتخذت هذا المسار .
1/ إبهام في البداية فقد ربط تاريخ الرواية بتاريخ انهيار الأسهم في السعودية، ولم يذكر العام، انما لمح له تلميحًا عندما ذكر (الإثنين الأسود)، وأضاف لها حادثة مقتل مجموعة من الحجاج في نفس العام الذي جرت فيه الأحداث.
(السطر 1ـ 4 من الصفحة 14. من الرواية).
ومن خلال التقصي نستنتج أن هذه الأحداث جرت في العام 2006م، وهو أمر متعب للقارئ البحث عن العام الذي جرت فيه هذه الأحداث، لكن الراوي له مبرراته.
2/ الحديث عن الأخوين عادل وحسام الذين ينحدرون من جزيرة تاروت.
(السطر 6ـ 10 من الصفحة 14. من الرواية).
3/ الحديث عن الأخوين حسن ومنير الذين ينحدرون من بلدة العوامية.
(السطر 11ـ 14 من الصفحة 14. الرواية).
4/ الحديث عن أسرة حسام في جزيرة تاروت وأعدادهم (السطر 15 ـ 17 من الصفحة 14. الرواية).
5/ وصف طريقة الدراسة في جامعة الملك فهد (البترول سابقًا) وهو مجال دراسة بطل الرواية حسام.
(السطر 1ـ 6 من الصفحة 15. الرواية).
6/ الحديث عن الوظيفة الحكومية التي شغلها عادل من جزيرة تاروت.
(السطر 10ـ 14 من الصفحة 15. الرواية).
7/ الحديث عن العلاقة بين مدينة العوامية، وجزيرة تاروت.
(السطر 15 ـ 17 من الصفحة 15. الرواية).
8/ وصف الاستمتاع بزيارة حسام وعادل في زيارتهم لبيت خالتهم في منطقة العوامية، ووقف الغميري بالتحديد، وما جري فيه من احتفالات ونذور تقام هناك، وعادة ما تكون إطعام الطعام.
(السطر 1ـ 5 من الصفحة 16. الرواية).

ولا أريد المواصلة في الوصف، وقد قرأت تنقلات الروائي بين الأحداث متعددة في أسطر قليلة.

لقد انتهج الروائي أسلوب التنقلات السريعة بين الأحداث، وقد رصدت من خلال قراءتي للرواية حوالي 18 انتقالًا بين الصور الاجتماعية، خلال 9 صفحات تمتد من الصفحة 14 إلى 23، وأنه والله لكثير في صفحات قليلة.

ولا يمكن الاعتراض بالجملة على هذا الأسلوب، لأنه أسلوب مستخدم عند الكثير من الروائيين، إلا أنه يشعرك بالدوار من كثرة التنقل السريع، قد يطور الكاتب أسلوبه في التنقل بين المعلومات ببطء.

وإكمالاً للحديث عن البيئة والمكان سأمر على فقرات الروائي لأطرح ما أريد في النهاية، فبعد ما وصف المؤلف الاستمتاع في منطقة الغميري في مدينة العوامية، انتقل الروائي إلى:
(تقسيمات منطقة القطيف، ارتباط جزيرة تاروت بجسور ثلاثة، الحديث عن وفرة المياه في كافة مناطق القطيف وجفافها في الفترة الأخيرة، الحديث عن فعاليات منطقة الغميري في مدينة العوامية، نبذة عن وضع القائم على وقف منطقة الغميري وظروفه الصحية فهو رجل لا يستطيع الكلام كبقية الأصحاء الحديث عن وضعية البناء في بيت حسن وإخوته وأسرته، توصيف الأسر المرتبطة بحسن.

هذه البانوراما السريعة والتنقل بين الشخصيات والأحداث بشكل سريع تسبب فقدان التوازن لدى القارئ في المتابعة ولملمة الخيوط، وأكتب هذا بصفتي أحد المتلقين لهذا النص الروائي.. كنت أتمنى من الكاتب أن يبطئ حركة التنقل السريعة بحيث تكون الوقفة الواحدة كمشهد تمثيلي يمكّن أي مخرج أن يرسم أحداثه، ومن ثم ينتقل إلى المشهد الآخر.

ثم إن ثمة سؤالًا يطرح هو: ما الهدف من وصف هذه البيئات من جزيرة تاروت إلى العوامية؟؟ وأتوقع أن يكون الجواب للتسهيل على القارئ فهم الأحداث التي سترد في الرواية، أقول إن ذلك مبرر، وكان من الأفضل لو ضمّ الروائي لها وصفًا لمكان الحدث الروائي الرئيس (دولة تركيا)، وهو المكان الذي حدثت فيه ذروة أحداث الروية.. والتي به عنونت الرواية (عالقون في إسطنبول).

• البدايات:
لقد بدأ الروائي سرد الرواية منذ اقتراب الحافلة من منطقة السيدة زينب بريف دمشق، وتفاصيل الالتفات للأغراض، والبحث عن شقة للإيجار، وطريقة التعامل مع السماسرة والمسوقين للشقق السكنية، ثم الذهاب إلى دمشق، وانبثاق فكرة قضاء مدة أسبوعين لزيارة منطقة تركيا، ويصل الثلاثة (حسن، حسام، وعادل) إلى منتصف الطريق المتجه إلى إسطنبول.

كنت أتمنى على الروائي كما هو المعمول به في فن الرواية وهو: الابتداء بالنهاية ومن ثم الرجوع بما يسمى فلاش باك، لما في ذلك من قوة جذب للقارئ للمرور على الأحداث وفهم ملابسات الأحداث، والوصول إلى النهايات.

والرواية عالم كبير لا يمكن قولبته بقوالب محددة، وإنما هي مفتوحة نحو الإبداع والتطوير في الأساليب، أتمنى أن أقرأ لهذا الروائي أعمالًا أخرى يمكن أن يقدم لنا صورًا وأساليب أخرى.

• الإصابة من مكان الحدر:
تحت عنوان (حالة من الشك) نقرأ (وما إن انتهى المسؤول (مسؤول السفارة السعودية في إسطنبول) من كلمته حتى بدأ بثّ هواجسه لعادل وحسن (بعد الذي سمعناه يجب أن تتحروا حول السائق وألا تثقوا بأحد، كيف تركنا حقائبنا معه؟ لماذا أعطيناه كل ثقتنا ونحن لا نعرفه إلا منذ دقائق معدودة؟)
(عالقون في إسطنبول ص 58. الرواية).

وبالفعل بدا الشبان الثلاثة حذرين من السائق، لكنهم بعد فترة، أعادوا الثقة به، وأصبحوا يتحدثون ويمزحون معه، إلى أن وصلت الحالة بهم أن يوصوه بإحضار الماء لهم، وأحضر لهم شرابًا مخلوطًا بمنوم، وهو ما برز تحت عنوان (ساعة الصفر) من الرواية.

فقد أحضر السائق لهم قناني لبن بدل قناني الماء، ويروي حسام الحادثة بقوله: (بدأت بفتح القنينة وشربت منها قليلاً إلا أنني وقبل أن أشعر بطعم اللبن إذا بي أرى رقبة أخي عادل تتدلى على السائق، وقبل أن أنطق بكلمة سقط جسم ابن خالتي حسن على كتفي الأيسر دون حراك.

هنا تجمد لساني ولم أستوعب الموقف، لكنني وبعد بضع ثوان صرخت بشكل هستيري بوجه السائق (ماذا حدث لأخي وابن خالتي؟ تكلم).

التفت إليّ السائق وعيناه تتطايران شررًا من دون أن يتكلم، بدت عيناه أوسع ممّا كانتا عليه من قبل، وتغيرت ملامح وجهه البريئة إلى ما يشبه الذئاب البرية، وقبل أن أستوعب ما حدث ضربني بيده على رأسي ضربة أفقدتني توازني، لكنني أفقت بعدها بثوان وإذا بالسائق قد سلك الطريق الجبلي الوعر المحاذي للساحل، وبدا عليه الإرباك الشديد، فأبعدت جسم حسن عن كتفي وقفزت بكلتا يدي ممسكًا برقبة السائق محاولاً إيقاف السيارة.
(ص 88. الرواية).

الرواية تحمل في طياتها تفاصيل أخرى، أو هي أحلام الشباب، فمدينة إسطنبول مثلما شهدت أحداث مأساة الشبان الثلاثة، شهدت ولادة حب جديد بطلاه ليلى الشابة السورية (كانت مسافرة الى إسطنبول، وأهلها المتواجدون معها في منطقة التركية) والشاب عادل الذي تواعد والتقى بها مرات متعددة.

كل هذا الغرام تحطم تحت وطأة ما وجد الشبان أنفسهم فيه، فهم بلا ملابس، وبلا هويات، ومصابون ببعض الرضوض والكدمات، ولا أحد يستطيع إيواءهم، مصادفة لعطلة العيد حيث تكون القنصلية السعودية مغلقة.

كان الوضع مأساويًا ومغلقًا، غير ما تخلل ذلك من بعض انفراجات حدثت لهم من هنا وهناك.

وفي الواقع يحمل السواح الخليجيون أملًا متجددًا في أن تتغير الأحوال في منطقة التركية الإسلامية، ويصّر بعض (أو كثير) من اللصوص والحرامية في هذه المنطقة على تعميم حالة الخوف والفوضى، وعدم الأمان للسائح في هذه البلاد، وهكذا تتكرر الأحداث ببلادة على الكثير من السواح الخليجيين وغيرهم، لا أحد قادر على إيقاف هذا النزيف.

عندما أقول إن هذه الأحداث تتكرر (من دون علاج ) أعني ما أقول، إن كان ذلك على صعيد الواقع، وحتى على صعيد الرواية، فقد التقى الشبان الثلاثة بآخرين (مشاري، خالد، عبد الله) من منطقة الرياض، قد انتهك أمانهم، ولعتدي عليهم، وصودرت ممتلكاتهم الشخصية، إضافة إلى هوياتهم، وجوزات سفرهم..... وهكذا.

فكم من السرقات والمآسي حدثت قبل وبعد كتابة هذه الرواية، لكن لم يبلغنا أحد بمأساته مثل هذه الرواية.. لذلك أقول يمكن أن يطور هذا العمل، من خلال توسيع أفق الرواية على يد مخرج مبدع، الأمر الذي يساعد على نشر التوعية بين الناس وتحسين تصرفاتهم في مواجهة مشكلاتهم في السفر إلى الخارج، وبالخصوص منطقة التركية، الذي تتالت فيها الأحداث المشابهة، من دون أن يكون هناك بادرة للتحسن.

• نهاية الرواية:
أعجبني ما أورده الروائي في نهاية روايته من ملخص لمصير أبطال الرواية الثلاثة بعد مرور سبع وثلاثين عامًا عن الحادثة، التي حُفرت في ذاكرتهم، وعلمتهم دروسًا لن ينسوها أبدًا... وكان بودي لو أن تلميحًا أدبيًا جميلًا محبوكًا بطريقة فنية ابتدأ به الرواية عن هذا المصير... ومن ثم رجع القهقري ليسرد كل أحداث المأساة في إسطنبول، وهو ما يصطلح عليه أدبيًا ودراميًا الاسترجاع الفني أو ما يعرف بالفلاش باك) flashback) لكانت الصورة أبهى من واقعها الحالي، هذا لا ينقص أبدًا من قيمة هذه الرواية في هذا الوقت لما لها من دروس اجتماعية مهمة لمجتمعاتنا المعاصرة.