المقارنة الممتنعة «2»

هل يا ترى يمكن مقارنة الماضي بالحاضر؟ هكذا ختمنا المقال قبل السابق وهنا نكمل، ونبدأ بسؤال: هل كان أسلافنا الماضون في راحة من العيش؟ وماذا يقولون لو عايشوا حاضرنا؟
ربما يتوارد جوابان هنا: الأول احتمالية الجواب بنعم، فيما لو قاسوا أنفسهم بمن سبقوهم والدليل هو ما يقولون ونقوله نحن أيضًا الذين نعيش الحضارة وترفها حسب ما يظهر لنا، ولكن الصعوبات تطغى دومًا لنقول نفس الكلام المعروف والدارج وهو -الله يعين أولادنا على اللي جاي-، وهذا يعني أنهم لم يكونوا بالحال الذي يسرهم، ولا نحن كذلك مسرورون بواقعنا، وهذه طبيعة دارجة تجري على لسان كل أحد.
فالحقيقة مختلفة إذًا؛ حيث لا يمكن المقارنة بين الماضي والحاضر ولا المستقبل أيضًا، وما نظنه أن لكل زمان حلاوته ومرارته، وإن تفاوتت، لهذا قلنا من قبل إننا شاطرنا الآباء جزءًا من حياتهم وكنا سعداء لبساطة الحياة ونقائها آنذاك، كانت حياتنا تتناسب مع واقعها، وهو ما كان عليه أهالينا وإن بنسبة أدنى نتيجة تحملهم المسؤولية المباشرة، وحين عشنا حياتنا المتقدمة الجديدة اختلف الحال، ولا أظن أن هناك مقارنة تذكر إطلاقًا، وأجزم ألا أحد يريد أن يرجع للماضي، سوى فقط للحظات ذكرى، أو استرجاع حوادث جميلة نتغنى بها بين اللحظة والأخرى.
نعم نفتقد أشياء ليتنا استطعنا أن نحافظ عليها وحملها معنا، ونتأسف على أخرى كانت قيّمة في سلوكنا وقيمنا وعاداتنا وقد ذهبت مع الريح في ظل استشراء التكنولوجيا التي جعلت منا أجهزة إلكترونية تمامًا كالجهاز الذي أكتب منه الآن، وأنا لا أشعر بمن وما حولي! وقد غيبنا الكثير الكثير من مبادئنا وقيمنا وقوامتنا، فانحدرت العلاقات وتقطع التواصل، ولم تعد ترى الصداقات كما كانت، ولا صلة الأرحام ولا الالتزام بما يجب الالتزام به، وبما أمرنا باتباعه واجتنابه.
كل شيء متوفر، ولو قدِّر للأسلاف أن يروا ما نحن فيه لحسدونا من جانب، وبكوا على حالنا من جانب آخر.
نعم، نحن في ترف من العيش، ونقول ذلك بنسبة وتناسب، وربما كان غيرنا يقولون الحمد لله على ما نحن فيه قياسًا بمن قبلهم، ولكننا نشترك معهم في عدم القدرة على قراءة المستقبل فنقول كما قالوا: الله يعين أولادنا على اللي جاي. متناسين أن لكل جيل حلاوته وسعادته وغناه وفقره، وشدته وضعفه، وكل ذلك راجع للإنسان وتقلبات الأزمان، وأيضًا لتصاريف الأقدار من العزيز الجبار.
ما يمكن الختام به هو أن المقارنة ممتنعة هنا، وغير واقعية إطلاقًا، فلا تشابه ولا تقارب، ولكن ربما التمني يكون واردًا لو انكشف الحال على الذين لم يعيشوا الماضي، والذين لم يدركوا الحاضر، وشخصوه تمامًا، فنرى بعدها أجوبة متفاوتة، بين الرفض والتمني، وكذلك الخوف من المستقبل المجهول، ونعني بذلك أن بعض الماضين يرفضون أو يتمنون معايشة الحضارة والطفرة الحالية، وربما يكون هو رأي الأجيال الحالية أيضًا، أو عكس ذلك.
ولكن الجميع يشتركون في الخوف من المستقبل الغائب، ويقولون كما قال الشاعر السوداني الهادي آدم:
قد يكون الغيب حلوًا
إنما الحاضر أحلى



