أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

رسل الإنسانية وحمائم الرحمة

إبراهيم الزين · القطيف اليومالخميس 30 مايو 2024، 12:51 م
رسل الإنسانية وحمائم الرحمة

كم مرة يا ترى شكرنا طبيبًا أو طبيبة بعد أن وفق الله أحدهما لعلاج مريض من علةٍ طالت وكانت تؤرّقه ألمًا ومعاناة؟

ومتى أهدينا هديةً لممرضة سُخِّرت من أجل خدمة مريض يرقد في المستشفى، وسهرت على راحته ليلًا ونهارًا، وهي تدثره بالعناية وتمسح عليه بالطمأنينة وتبش في وجهه بابتسامة ملائكية وهي تردد الدعاء له بالعافية والشفاء، فقط لتسكين نفسه ويرتاح قلبه ويتجاوز محنته.

كم مرة قدمنا الشكر والامتنان سواء برسالة أو من خلال مواقع التواصل الاجتماعي لطاقم طبي أجرى عملية جراحية كانت خطيرة وناجحة، أنقذت مريضًا كان يعاني لفترة طويلة دون بارقة أمل، حتى شُفِي بإذن الله على أيديهم، وقد أمضوا الساعات الطويلة وهم يقومون بواجبهم لإنقاذ حياته.

وكم؟ وكم؟ في كثير من الأمثلة قدمنا واجب الشكر والعرفان لهؤلاء الذين سخرهم الله تعالى لعلاجنا وإنقاذنا من الملمات العصية مرات ومرات كانوا فيها الوسيلة للتعافي والشفاء.

لربما يقول قائل بأن هذا واجبهم، وهم يتقاضون عليه أجورهم كباقي البشر، ونحن نقول كذلك أيضًا، ولكن علينا التفريق بين واجب وآخر ووظيفة لا تشابه أخرى في الخدمة التي تقدم للناس، بل لا تقارن بها أساسًا، وخاصة مجال الطب والذي هو من أسمى التخصصات وأرقاها وأعلاها مرتبة، وأحسب أن الأطباء رسل سلام ودكاترة قلوب وملائك رحمة. هم في مقدمة من يستحقون الاحترام والتقدير، ومن نقف لهم إجلالًا، وهو أقل واجب علينا تجاههم.

للأسف أن ما نقوم به خلاف ذلك تمامًا، ودون مراعاة لقيمة هؤلاء الذين نذروا أنفسهم لغيرهم وعلى حساب عوائلهم واستقرار أسرهم، فتخصصوا في هذا المجال خدمة للبشرية، فالطب ليس علاجًا وعمليات جراحية وأدوية فقط، بل هو أكثر من ذلك بكثير، ويكفي ملاحظة التطور الهائل الذي يتحقق باطراد في مختلف تخصصاته، واكتشافات لوسائل علاجية ما كنا نحلم بها، الأمر الذي يصب في مصلحة العالم أجمع، وكم من نجاحات تحققت وفي مختلف التخصصات والأدوية والأجهزة الطبية، التي خففت على المرض تعب العمليات، لتصبح سهلة وفي ظرف وقت قصير جدًا، دون جراحة وأقل كلفة وتكلُّفًا على المريض، وقضت على الكثير من الأمراض التي كانت تفتك بالناس، كما يسرت على المرضى طول العلاج ليصبح أجدى وأسرع لتخليص الناس من أمراضهم. والحديث يطول في ذلك.

ونحن قبال ذلك لا نكترث ولا نهتم ولا نقدر، ولا أدل على ذلك من مجرد حالة واحدة تستعصي على طبيب، أو يخفق في علاجها ربما بسبب تأخر حالة المريض أو ندرة ما أصيب به آخر، وإذا بنا نكيل التهم الباطلة ونشكك في نزاهة وإمكانات وقدرات هذا أو ذاك، بل وإسقاط المؤسسة الطبية بأكملها بالدعاية المغرضة، للدرجة التي تجعل الناس يتشاءمون، ويعتريهم الخوف ويقاطعون حتى المعالجة العادية وفي أي مكان، فضلًا عن المشافي التي يصب عليها جام الغضب والتشاؤم.

فكم من الناس وبسبب تصرفات واستنتاجات مجانبة للواقع امتنعوا فعلًا عن الذهاب لمستشفيات بعينها سواء عامة أو خاصة، بسبب ما يتناقله الناس من سوء ظن سبب الرهاب لغيرهم، فينكفئون عن الذهاب للمستشفيات، بل وحتى تقبل العلاجات والأدوية من أي جهة كانت، متخيلين أنهم سيموتون إذا ما ذهبوا للمستشفى الفلاني، وهو ما يحدث فعلًا حين تصل بهم الحالات المرضية لدرجة حرجة، وعندها ينقلون لمستشفى طالته الدعاية المغرضة فيقضوا هناك لأسباب نفسية طارئة وردة فعل خطيرة لا علاقة للمستشفى ولا الأطباء بها، بل ولا ينفع العلاج معها إطلاقًا.

لا يعني ذلك عدم وجود أخطاء طبية، أو سوء تقدير وعدم توفيق في التشخيص، دون إرادة أو تعمد بالطبع، وهو أمر يحدث بطبيعته في جميع أنحاء ومستشفيات العالم بأسره، وحاله كحال أي حادث وحدث في جهات مختلفة، لهذا لا يجب أن نعمم ذلك، ونسقط مؤسسة طبية كاملة بسبب حالة حصلت هنا، أو أخرى هناك.

علينا أن نتوقف عن التهريج والتشهير بالجهات الطبية، فإن ذلك يسبب مضرة خفية نحن لا نعلمها، ولكنها تظهر على الناس خوفًا وهلعًا كما أسلفنا، وعواقب ذلك وخيمة علينا كبشر وعلى المجتمع أجمع.

علينا أن نثق في كل صرح طبي ومن يعمل فيه خاصًا وعامًا تم الترخيص له رسميًا من قبل الجهات المسؤولة التي تحرص على سلامة المواطنين وتسهر على راحتهم، وأن نطمئن ونثق في كوادرنا الطبية رجالًا وإناثًا، والذين يعملون بها، فهم رسل الإنسانية وحمائم الرحمة، ولا يوجد إنسان يريد أن يلحق الضرر بآخر، وخاصة في مجال الطب، بل هو عكس ذلك تمامًا، فالمشافي هي البلاسم التي ننشدها من أجل التشافي، وهي مرافئ راحة وليست مقابر كما يصورها البعض للأسف، بل هي دور تعافٍ بدني ونفسي سخرها الله تعالى لعباده كما سخر الكثير لهم في دنياهم، وسوف يسهل وييسر ويوفر الكثير من ذلك دليلًا على قدرته وعظمته، وبالتالي رحمته بعباده.