يأتي في الربيع لـ أميرة المضحي.. قراءة سوسيولجية

هذه هي الطبعة الثانية لرواية (يأتي في الربيع)، والصادرة عن منشورات ذات السلاسل، دولة الكويت، في العام 2018 م.
بعد أن صدرت الطبعة الأولى عن دار الكفاح للنشر والتوزيع، في العام 2016 م، المملكة العربية السعودية.
و غني عن التعريف أن الكاتبة أميرة المضحي، هي من أوائل الروائيات السعوديات، في عالم الرواية، حيث تعتبر روايتها (يأتي في الربيع) الرابعة في سلسلة رواياتها المطبوعة والمنتشرة (حسب علمي)، بعد أن قدمت لنا رواية (وغابت شمس الحب 2005 م )، (الملعونة 2007 م)، (أنثى مفخخة 2010 م).
(يأتي في الربيع) تطرح موضوعاً اجتماعياً شائكاً في ذلك الوقت، حيث كان التمترس المذهبي في أوج قوته، ولا يمكن استخلاص ذلك بسهولة من بين 340 صفحة، هي عدد صفحات الرواية و28 عنوان داخلي هي عدد فصول الرواية.
تعتبر رواية ( يأتي في الربيع )اجتماعية فلسفية بشكل عام، تحكي قصة دلال البطلة التي تعرفت على شخصيتين، أحدهما الشاب تركي الذي سرعان ما خطبها لكنها لم تستطع الاستمرار معه. الأخرى هي شخصية الطبيب حامد، الذي أحبته بقوة على الرغم من اختلاف البيئات والمذاهب بينهما.
واختارت الروائية مجموعة من الأحداث المشتركة بين البطلين، لها وقعها الخاص على كل منهما، وربما تناولت مشاعرهما وهمومهما، الصعوبات التي مرّا بها مع أسرتيهما، وأصدقائهما، كل على انفراد بعيداً عن الآخر، وتتصاعد الأحداث في بيئة كل واحد منهما إلى أن تصل إلى الذروة.
• شخصيات الرواية: ـ
1. حامد: - أحد أبطال الرواية، ينحدر من أسرة من القطيف، وبالتحديد من جزيرة تاروت، أبوه سيد أو شيخ من مشايخ الشيعة، وفي تناول الأحداث الروائية، تطل إطلالات جميلة، وربما لا تكون جميلة عند أفراد آخرين تبعا للمفاهيم المسبقة، أو المحمولة عن المجتمع الشيعي في القطيف.
(أنا ابن تاروت الفينيقيّ القادم من آلاف السنين، حاملاً معي حزني العتيق الذي لم يتبدّل ولم يتغيّر، وفي دمي إرثٌ لم يستطع أحد محوه أو التأثير عليه عبر التاريخ.
أنا وجعٌ حسينيّ ممتد منذ مئات السنين، لا يمكن اختزاله في دمعةٍ أو شهقةٍ أو لطمة. أنا نخيل تاروت وعيونها ، وقلعتها وحمامها (عين العودة) .
أنا مواويل النّهّامين، ومراكب النوخذة أنا الـ (أوّه يَا مّال) التي ما زالت الريح تردّدها لحدّ الآن.
أنا رائحة البحر الحنّاء والريحان والهيل. أنا الدّيرمة (صبغة لشفاه النساء، مستخرجة من لحاء الشجر)، أنا سمك الحلاء المنشور والمجفّف فوق أسطح البيوت)
(يأتي في الربيع ص 23).
2. دلال: - تنحدر من عشيرة من نجد، لكنها انتقلت من الرياض لتعيش في مدينة الدمام، ضعف التزامها الديني نابع من جنوح والدها نحو الأفكار التحررية اليسارية، والقومية العربية وجمال عبد الناصر...الخ
3. تركي: - لم يكن تركي سوى الطريقة التقليدية للخطوبة والزواج، شاهدته دلال في ذهابها للقاهرة، وخطبها بعد شهرين، وفي خط الرجعة أعجبت بحامد، وظلت متعلقة به رغم خطوبتها من تركي، وفي موافقتها للخطوبة من تركي تناقض مع ميولها القلبية، استمرت في هذه اللعبة، إلى أن قررت فعلاً التخلي نهائياً عن تركي، والنزوع نحو ميولها القلبية ، مع عدم وجود ضمانة على ذلك.
• خط البداية النهاية.. أو بداية النهاية.
واحداً من أهم الجماليات في الكتابة الروائية هو الكيفّية التي يرسم فيها الروائي خط النهاية لروايته منذ البداية، عندما يصوغ أحداث النهاية في سطور البداية.
(في ذلك اليوم الربيعيّ، اتخذت قرار المغادرة بسرعة، ورتّبتُ كلّ شيء بسرعة وبسريّة أيضا. سافرتُ وأنا متعبة، مثقلة حزينة، ولا أعرف إذا ما كنت مهزومة أو منتصرة. لم يكن سفري عادياً، هو هروب، إخفاق، انتحار، انكسار من وجهة نظر الآخرين، لكنه صمود ومقاومة من وجهة نظر قلبي. سافرتُ وأنا على كف عفريت،
فالجنون يجتاح العالم شرقه، وغربه، ولا أحد يعرف ما الذي سيحدث غداً).
( يأتي في الربيع. ص 11).
• الزمن الروائي؟ والأعمار التقريبية لأبطال الرواية.
لو تساءلنا عن الزمن الذي جرت فيه أحداث هذه الرواية، حتى لو كان ذلك بشكل تقريبي. فمتى (بالتقريب) جرت أحداث هذه الرواية؟ كم كان عمر البطل حامد؟ في وقتها. وكم كان عمر دلال في وقتها؟
من المعطيات التي ساعدتنا به الرواية يمكن أن نستنتج أن عمر البطلة لا يقل عن 24 عاماً إلى 25 عاماً، وقت أحداث الرواية.
تقول البطلة دلال وتتذكر أنها في حرب الخليج الثانية، كان عمرها ست سنوات (توفيت جدتي، أثناء حرب الخليج الثانية، كنت صغيرة، ولا أتذكر الكثير... كنت في سنتي الابتدائية الأولى).
( يأتي في الربيع. ص 34).
وإذا عرفنا أن أحداث حرب الخليج الثانية حدثت في العام 1990 م، فنتوقع أنها من مواليد العام 1984 م.
بينما حامد كان قد ولد في العام 1980 م، وهو العام الذي انتصرت فيه ثورة إيران، حسب ما جاء في الرواية. فالبطل حامد يكبر زوجته دلال بأربع سنوات تقريباً.
(راجع يأتي في الربيع. ص 18).
وإذا أخذنا نصاً آخر من الرواية تشير فيه دلال بأن مُنجمة بشرتها، بأنها ستودع عاماً مرهقاً، وتستقبل عاماً جديداً ومدهشاً. وكان هذا الكلام ( كما تشير الرواية) في العام 2009م.
(راجع يأتي في الربيع. ص 15).
فلا يمكن أن تجري أحداث الرواية قبل العام 2009م ، وهو العام الذي بشرت به المنجمة بطلة الرواية، بالتغيير نحو الأفضل.
بناء على ما سبق، نتوقع أن أحداث هذه الرواية، جرت في الفترة ما بين 2009م إلى 2011 م. ويكون عمر البطلة دلال في العام 2010م،26 عاماً، بالنظر إلى ميلادها الحاصل في العام 1984 م.
بينما يكون البطل حامد في عمر 30 عاماً بالنظر إلى ميلاده الحاصل في العام 1980م، والفارق بين عمريهما (دلال، وحامد) أربع سنوات.
الخلاصة: - هو أن أحداث هذه الرواية جرت كما أتوقعها من التحليل، (وأرجو أن أكون مصيباً) في الأعوام( 2009م، 2010م، 2011م.)
• سير الأحداث الروائية.
أدخلتنا الروائية مباشرة في أتون الأحداث الروائية مع دخولها الفلسفي المؤلم (جمعنا الشك وفرقنا اليقين)،(ما تعاظم فرحك أو حزنك، إلا وصغرت الدنيا في عينيك) جاءت به منقولاً عن جبران خليل جبران.
( يأتي في الربيع. ص 7).
سطّر لنا الروائية سطوراً عديدة ضمن فواصل أدبية جميلة، وجذابة.
عن مشاعر البطلة وحيرتها تورد الروائية التالي:-(لا أعرف من أين أبدأ وإلى أين أنتهي، ولماذا تجتاحني هذه الرغبة الطاغية في الكتابة عن نفسي الآن، وأنا التي دونت مذكراتي لسنة واحدة، بعدها توقفت) .
(يأتي في الربيع ص 13).
هذه البطلة الممزقة داخلياً، وفي تعبيرها عن التناقض الموجود لديها تقول(أنا الصحراء ودروبها البعيدة، وليلها الطويل، أنا الكحل، وقصائد البدو، أنا السماء والنار، والهال والقهوة، أنا المسكونة بالتاريخ وبالزيف و بالوهم و بالوجع وبالأكاذيب، أنا مجموعة من التناقضات؛ تناقضات عائلتي ومجتمعي، وهذا العالم الذي أعيشه، أنا غضب جدي، حلم أبي، أمنيته أمي، آمال شقيقتي..).
( يأتي في الربيع ص 12).
ومن ثم تعطي بعض ملامح وضعها الراهن بالقول:
( هل أعترف الآن بأني هاربة؟ هاربة من الوهم والحقد والتخلّف ويدي على قلبي. خائفة أنا أيضاً، فالتخلّص من ذاكرتنا وماضينا وأحقادنا وغبائنا ومشكلاتنا ليس بهذه السهولة، ولا يلغى بتذكرة سفر. سافرتُ لأكون بعيدة عن حياتي الماضية، وأخشى أنها هربت معي، أو تسلّلت بين قلبي وأفكاري وذاكرتي وجروحي، أو أنني سافرتُ لأنقذ حياتي ، لكن الأكيد أنني سافرتُ لأكون متحرّرة ).
(يأتي في الربيع ص 11).
وتشير هذه المقاطع الى أن بطلة الرواية أخفقت في تحقيق آمالها، الأمر الذي دعاها إلى الهروب بعيداً عن الناس ومشاكل أبناء القبيلة إلى آخره.
ليس واضحا إلى أين هربت.. لكنها هربت، وبعد هذه المقاطع الأدبية الجميلة، تعود بالذاكرة إلى رحلتها بالقاهرة، وهذه الرحلة، تعرفت فيها في في طريق الذهاب على تركي الذي تقدم لخطبتها بعد شهرين، وفي خط العودة من القاهرة التقت بالبطل حامد.
تعيش البطلة حالة من التناقض بين من يميل إليه قلبها، وبين الذي أصبح خطيبها، تركت هذه اللعبة تتقدم بها إلى أن قررت التخلي بالكامل عن تركي.
الملفت للنظر في هذه الرواية أن الكاتبة اختارت خطاً روائياً يتمثل في كتابة المقاطع التي هي عبارة عن منلوجات داخلية عند أبطالها، ومذكرات داخلية في حياة البطلين (حامد علي السيد، ودلال سعود العبد الرحيم) والغريب في الأمر أن تقسيمة المقاطع 28 مقطع موزعة بين دلال وحامد 14 لكل واحد منهما.
والغريب أنني وعندما أحصيت صفحات الرواية، وجدت أن الروائية خصّت كل واحد منهما بنصف الرواية، فوردت فصول الرواية كالتالي:
عناوين دلال : (عالم الدهشة، نحو العمق، ما أجمل البدايات، الموت عشقا، غوى، يقين، حافة القلب، ليل لا ينتهي، خارج السقيفة، مجرد نرد، ذبحة، حياد، الردة، خالف هواك ترشد).
عناوين حامد: (لم يكن يوماً عادياَ، زمن لا يشبهني، لن تجده كل يوم، ضلال، لم تكن صدفة، أنا.. أنا، عبادة، أنا الغريب، إشارة، كفر صريح، عزف حتى الموت، لو كانت كذبة، إلى أين)
(نعود للحديث عن أسلوب الرواية )إن هذا الأسلوب الذي انتهجته الروائية، وأبدعت فيه، جاء على كثافة وتكرار الحوار، والذي هو ركن مهم في العمل الروائي. إلا أن الفن أو الخديعة، أو السحر، والجاذبية التي تمارسها الروائية في رسم صورة أقرب إلى الواقع، هي المسؤولة عن ايهامنا بأن هذه الأحداث قد وقعت بالفعل.
وفي الطريق إلى إيصال البناء الدرامي، تسير بنا الروائية حول البيئة المعاشة في مجتمع جزيرة تاروت في حقبة الثمانينات وما صاحبها من أحداث كثيرة مرت على الشرق الأوسط.، وكيف كانت تفهم هذه الأحداث في ذلك الوقت.
في ذلك الوقت أيضا، كانت السلطة الدينية لها صورة مغايرة على ما هي عليه اليوم، وكذلك حرية المرأة وحدودها في ذلك الوقت، مختلفة جداً عن وضعية المرأة السعودية في الوقت الحاضر. ولذلك جاءت الرواية متوافقة مع الوضع المعاش في ذلك الوقت، ناهيك عن وضع المجتمعات التي كانت تخرج من وضعية الاقتصاد الأولي البسيط والذي كان يعتمد في جميع أحواله على ما ينتجه البحر والنخل وبعض المهن المرتبطة بهذه المصادر، التحول الشديد الوقع للاقتصاد نحو استثمار منتجات البترول بشكل تجاري، وبروز مهن جديدة مرتبطة بالبترول، من مهن في الشركات الموجودة، أو الخدمات المساندة لها.
وبلا شك أن بلادنا زدادت في رقع المدن الحديثة، وربما تكونت مدن جديدة، فرضتها الضرورة الاقتصادية والصناعية.
الأهم من ذلك، استقبلت بلادنا الكثير من العمالة الوافدة من شتى أصقاع العالم، أما للعمل في أماكن البترول، أو للعمل في الخدمات الاقتصادية الأخرى، منها الخادمات والسائقين الذين جاؤوا مع الثورة النفطية، ليشهدوا على صورة المجتمع الخليجي المتغيرة.
• مقاطع وصور جميلة
كثيرة هي المقاطع الجميلة في رواية (يأتي في الربيع) إنما وطلباً للاختصار، سأختار بعض المقاطع التي أعجبتني وحددتها بقلم الرصاص عند القراءة سأضعها تباعاً دون تعليق.
1.
(وجاءت دلال! جاءت بكل ألقها، وسحرها، وغموضها. جاءت كما يجيء الغيم بالبهجة والمطر، جاءت كما تجيء الهدايا بالفرح، وكما تجود البحار بالأصداف واللآلئ. جاءت كما تجيء أسراب الطيور في مواسم الهجرة بحثاً عن الدفء.
جاءت كسلال الكرز والفاكهة الموسميّة من كلّ بلاد الأرض، توقّفت سيارتها خلفي مباشرة، وأعطاني سائقها إشارة ضوئيّة، وما أن التفتٌ إليها حتى وجدتها تلوّح لي من مقعدها الخلفي. تقدّمتها وهي ورائي حتى وصلنا منزل الأستاذ مالك حيث تقام الأمسية في قبو منزله الكبير) .
( يأتي في الربيع ص 126).
2.
(هنا في حضرة القصر أشعر بأني متصالحٌ مع الحياة والزمن، وماداً يدي لأهالي تاروت الذين تغيّروا ونسوا تسامحهم، عندما اسودّت جباههم، وأثقلت أصابعهم الخواتم بأحجارها الكبيرة. هنا أشعر بأن الزمن واقف، وبأن روحي تعّن إلى زمانها الحقيقي، وبأن هذه البقعة الصغيرة بقلعتها وبيوتها المهجورة والمتهالكة، هي ما تعنيني، وهي تاروت المحفورة في نفسي، والتي أنتمي إليها، وهنا أعترف بأن هذا المهووس، كان في البدء عاشق لا يجد تبريراً لهوسه أو عشقه أو جنونه) .
( يأتي في الربيع ص 167).
3.
( الحب سرٌ علينا تقبله راكعين كما يقول أوسكار وايلد، فمتى ستركعين أيتها الثائرة؟ نعم تأخّر الركوع، ربما لأني لم أكن في حياتي شخصيّة يقينيّة، أو متدينّة. أنا مؤمنة لكني أشكّ كثيراً، على العكس من حامد ذي الشّكوك المؤقتة والتي تأخذه نحو اليقين الدائم. أريد الركوع والاعتراف له بكل شيء، فسألته أن يدعوني للصلاة بكل أديان الأرض والسماء ) .
( يأتي في الربيع ص 174).
4.
( أنا هنا مع السماء والنجوم، مع القهوة، والشعر، والنار، والليل الذي لا ينتهي، ولأول مرة أريد الضياع في هذه الصحراء، كأية بدوية مخدوعة بالسراب، أضيع في البادية، حيث يختفي كل شيء، ولتنقذني من ضياعي نجمةْ، الآن أتساءل: أيهما كنت يا حامد؟ السراب الذي يضيعني، أم النجمة التي ستهديني عندما يختفي كل شيء؟ ) (يأتي في الربيع ص 214).
5.
( كل شيء مطلق ولا نهائي؟ على هذه الجزيرة الجمال والهدوء، حتى الحب لا يخضع إلى نظريات الدقائق والساعات والشهور، فلا ينتهي. أشعر بأن الله قريب مني، وبأني نقطة في خضم هذا الجمال الرباني. في قلب المحيط الهندي، في هذه الحياة، الدائرة الكبيرة اللامتناهية، والتي لا تعرف بدايتها ونهايتها. والملأى بالنقط، فنتساوى فيها مع غيرنا. مهما اختلفت مواقعنا. أنا نقطة نور في شموس هذا العالم، وجرم صغير، في أفلاكه، وفيّ انطوى العالم الأكبر، وأي عالم؟)
(يأتي في الربيع ص 239).
تناقضات تحتاج الى نقاش...
ثمة تناقضات وردت في الرواية ، تستدعي الوقوف والمناقشة، ففي الفصل السابع، من الرواية، تحت عنوان (الموت عشقاً)، نجد أنفسنا أمام بطلة في حياتها، شخصيتين ، وسبحان الله تحاول الروائية، في هذا الفصل من الرواية ، شرح ما تعانيه البطلة، من التناقضات الحياتية، بين كل من خطيبها تركي وحبيبها حامد، وهنا في هذا الفصل بالتحديد، تريد التعامل مع الشخصيتين، وتحاول إقناع نفسها، وترجيح أي واحد منهما؟ عن هذا الواقع المأساوي، ورد في هذا الفصل:
(حضور حامد الكلي في أفكاري وأحلامي شتّتني قليلاً، فصار يصرفني عن خطيبي دون قصد، اتّصل بي تركي يلومني على انشغالي. سألني ما الذي يشغلك عنّي هذه الأيام؟ كنت مرهقة قليلاً، و مررت ببعض المشكلات في العمل لكني سوّيتها. تحدثنا لبعض الوقت، ثم اعتذرت منه، فأنا على موعد مع صديقتّي نوف وعبير في مقهانا الأمريكيّ المفضّل في المجمع التجاري القريب من بيتنا).
(يأتي في الربيع. ص 96-97)
في الوقت الذي يلتقي فيه الحبيبان (حامد ، ودلال) يبدأ حامد في إرسال الهدايا اليومية، والتي هي عبارة عن إفطار صباحي، ويذهب إلى البحرين ويملأ كيساً فيه مجموعة من الروايات وسيديات الأغاني، تكون بطلة الرواية قد ذهبت إلى فحص ما قبل الزواج مع تركي، وهنا تصارح البطلة حبيبها أنها مخطوبة لتركي، وأن هذا سيكون زواجا تقليديا ،هكذا بكل بساطة ياللعجب..
والتوقع أن البطلة تريد أن تخرج من شرنقة التناقض التي وجدت نفسها فيه بوجود رجلين في حياتها، رجل ابتدأ يحبها، ورجل تقدم عملياً لخطبتها، مع أنها تأخرت قليلاً، ولا أعلم أن كان ذلك ضرورة روائية؟ أم أنه رسم لحقيقة واقعة عند النساء، كما هو الحال عند الرجال؟ ونقطة المصارحة، وضعت الأنثى في خانة السواء.
وأن كل الآّلام التي توجعها وتشعرها بعدم الوفاء، يسببها وجود هذا التناقض في حياتها.
وفي الواقع، أن البطل حامد لم يتطرق ويسألها إن كان ثمة رجل في حياتها؟ مع التماهي مع المشاعر الجياشة تجاه حامد ،الأمر الذي أنساها أنها مرتبطة مع شخص آخر، وأنها لابد أن ترجح أحد الخيارين.
وفي موقع آخر من الفصل تقول دلال:( فقالت لي عبير: عيونك تلمع يا دلال!
(كانت هنا تتحدث عن حامد) . ابتسمتُ ولم أكد أجيب حتى رنّ تلفوني ، وتركي يتصل بي مرة أخرى، هو يحب مطاردتي أينما أكون. أجبته، فنقل لي دعوة أمه إلى تناول العشاء في أحد المطاعم مساء الأربعاء، فوافقت .
يقلقني تركي، أشعر بأن تصرفاته صبيانيّة أحياناً ، وبأنه كاذب أحياناً، وبأنه مراوغ أحياناً كثيرة . اعترافه السريع لي بالحبّ، ومطالبته لي باعترافات مماثلة بعد عدّة أيام من خطوبتنا أقلقتني، آراءه المجرورة في الحياة، شكواه المتكرّرة مما يسميه جمودي العاطفي مقابل هيجانه، لا يرضيه ولا يرضيني، تفردّه في اتخاذ القرارات التي تخصّنا، اكتشافي صدفة أن قصائده المدّعاة لها عدة آباء).
( يأتي في الربيع ص 97-98)
كان هذا حديث البطلة لنفسها، ومنولوجها الداخلي. الذي تقنع فيه نفسها، في ترجيح أحد الخيارات أمامها.
وفي الحقيقة، إنها لم تستطع المقاومة، والعيش وسط هذه التناقضات، إلى أن قررت فسخ خطبتها بالكامل من تركي، والتماهي؟ والاستمرار، مع حبيبها حامد.
وبصراحة كبيرة، كنت أعتقد أن هذا التناقض. يحصل عند الرجال أكثر مما يحصل عند النساء، لكن لله في خلقه شئون.
هناك سؤال آخر، كنت أقاوم نفسي عن طرحه، لكن لا بأس من طرحه باعتبارات الضرورة أمام هذا العمل الجبار التي أنجزته. الروائية أميرة المضحي.
وهو هل أسقطت الروائية شخصيتها؟ أو جزء من حياته العملية في هذه الرواية؟ باعتبار أن القصة، تتلخص في ، حياة ممرضة وطبيب ،في حياة المستشفيات؟
مثل هذا الأمر ليس مستغربا في عالم الكتابة الروائية. فالكاتب ، لا ينفق إلا من ثقافته وقراءاته وحياته الشخصية، ولا يوجد أي مانع أن تكون شخصية الكاتب في كل العمل الروائي. أو جزء منه ، وأن تكون شخصيته موجودة، في البطل الرجل، أو البطلة المرأة، أو كليهما.
• الشعور بالإغتراب ...
إذا قلنا إن عدم استجابة المجتمع ككل لفردية كل فرد من أعضائه، وعندما تتخذ القرارات الجماعية يكون من المستحيل عادة مراعاة الاحتياجات الفريدة( الخاصة ) لكل شخص.هو ما يطلق عليه مصطلح الإغتراب، وأغلب مظاهره تكون على الصعيد الاجتماعي. إن ما عاشه البطلان يمكن أن نطلق عليه الإغتراب، وهو حقيقة صادمة، لصورة مجتمعنا، في الثمانينات والتسعينات، من هذا القرن . يتضح ذلك من هذا المقطع من الرواية حيث يقول الطبيب حامد بعد أن عجز أن يقنع أهله بفتاة من المذهب السني المخالف لمذهبهم الشيعي ، ولما يأس من وقوفهم معه أخذ يهلوس ويقول : (لم أجد غير الشوارع ألوذ بها، أتمشّى فيها برفقة الموسيقى وما تحدثه فيّ من فتنة في هذا الليل. وحدي برفقة الشوارع، وأضوائها والمحلات المغلقة وإشارات المرور والسماء الصافية والسيارات، وصوت أم كلثوم ينساب من إذاعة الطرب يؤنسني و يفتنني في الوقت ذاته (رّق الحبيب. وواعدني يوم) عدتُ إلى البيت قرابة الثانية ولم أجد أمّي في المطبخ، فدخلت غرفتي ونمت مباشرة). (يأتي في الربيع ص 199-200).
• أرباك وغبار على المشهد.
الفصل 14 من الكتاب، قد يكون الأطول من بين فصول الرواية، الذي جاء بعنوان عبادة حيث تمتد صفحاته من الصفحة 186 إلى الصفحة 207 من الرواية.
أشعرني هذا الفصل بالعجز والتعب، واضطرني لإعادة قراءته مرات عديدة، يأتي هذا الفصل على لسان حامد في الرواية ففيه يسافر حامد قاطعاً الجسر بهدف الخلو بنفسه للعبادة والتأمل في دلال الحبيبة، وهناك مارس التدخين والسكر هرباً من المشكلات التي كان يواجهها، في سبيل خطوبته.
تورد الروائية على لسان حامد قوله :( ما أعظمه من رجل ذلك الذي فكر ببناء هذا الجسر!
جسر قادر على إنقاذنا من رتابتنا، ما إن نقطعه حتى يصبح الحجر الرمادي ملوناً، وتطير الطيور الراكدة، أو المحبوسة في أقفاص جميلة.
وصلت الفندق وقت الغروب، وذهبت مباشرة إلى المطعم، جامعاً بين الغداء والعشاء، ثم عدت إلى غرفتي. اتصلت بدلال فلم تجب، فبقيت أقرأ على وقع الانتظار والترقب، فما الذي يشغل دلال عني؟) ( يأتي في الربيع ص 186).
لكن ما سبب هذا الإرباك في هذا الفصل؟
السبب هو أن الروائية، صاغته بشكل رمزي تحدثت فيه عن كل شيء وعن أهمية الجسر وأن الجسر يعد قطعة جميلة، يمكن أن تتحول الصخور الرمادية عند قطعه إلى ملونة. لكنها نسيت أهم شيء، وهو ذكر مكان هذا الجسر؟
هل هذا الجسر بين تاروت والقطيف؟ أم هو جسر خيالي لايوجد الا في الأحلام؟ أم أن هذا الجسر بين السعودية والبحرين؟
وما زاد في الإرباك ثقلاً أن حامد التقى في الرحلة مع شخصية مصرية ، تحدث معها عن أحوال العالم العربي ، وشربا الخمرة معاً ، وتحدثا طويلاً ، بأحاديث السكارى ، الغريب أنه عاد من رحلته يوم الجمعة ليمارس طقوساً ، وبرنامجاً متعوداً مع أسرته .
(من قِبَلي) حللت المشكلة( نوعا ما ) فافترضت أن المقصود من هذا الجسر هو الجسر الواصل بين المملكة العربية السعودية، ومملكة البحرين، ولا أعرف إن كنت مصيباً أو مخطئاً، فهمت ذلك من خلال السياق ، ومعرفتي ببيئة الرواية الخليجية، لكن هل يتوقع من قارئ أو ناقد من خارج بيئة الخليج أن يدرك المقصود من ذلك؟
من أجل ذلك، وكون أن هذه الرواية تطرح إلى العالم العربي وإلى العالم بأسره، فكان من المهم أن يتم الإفصاح عن الجسر بشكل أوضح.
•الخلاصة والنهاية المفتوحة :
من المفروغ منه أننا اليوم في المملكة العربية السعودية، نعيش في ظروف وأحوال جديدة ، ومختلفة ، بلا شك أنها أفضل بكثير من الظروف والأحوال التي عاشها(الطبيب حامد، والممرضة دلال)أبطال الرواية.
فلم يعد الزواج بين رجل وامرأة من مذهبين مختلفين يثير تلك الحساسية، ويخلق المشاكل الكبيرة. كما لم يعد ما كان سائداً في وقت من الأوقات حالة التفريق بين الزوجين لأسباب عشائرية، أو عدم تكافؤ النسب، أو غيره من الأسباب. لا يمكن أن نقول إنه انتهى بالكامل، ولكن خفت حدته بشكل كبير.
فالتجربة التي وردت في رواية (يأتي في الربيع) هي تجربة مريرة صحيح أن الزوجين. قررا أن يتزوجا، ويقهرا جميع الظروف المحيطة بهما وقد نجحا في ذلك بشكل كبير. لكن ما لم ينجحا فيه، هو استمرار هذا الزواج بشكل طويل كما اتضح لنا ذلك مما سطرته الروائية في روايتها. فبعد مرور سنوات قليلة من زواج البطلين، سرعان ما تنادى كبار أسرة دلال وأقاربها وجاؤوا من منطقة الرياض بقصد وضع حد لهذا الزواج.
لكن الزوجة كانت تحمل جواز سفر أمريكي هو الذي ساعدها، على الهروب من البلاد وهنا طبعا تركتنا الروائية أمام مفترق طرق، ورسمت لنا نهاية مفتوحة، فبعد هروب الزوجة هل لحق الزوج بها؟ أم انفصل عنها؟ أم أنها عادت مجدداً إلى البلاد؟ لم توضح الرواية لنا ذلك.
كان من أبرز من استخدم النهايات المفتوحة الأديب الروسي (أنطون تشيكوف) ،فهو يتعمد الا ينهي قصصه بشكل حاسم ، خصوصاً إذا كانت القصة تناقش مشكلة اجتماعية ، فهو يرى أن من مسؤولية الكاتب طرح المشكلة ، وابرازها فقط لا حلّها . ذلك أن الحل من عمل المصلحيين الاجتماعيين ، والأخصائيين الاجتماعيين.
إن النهاية المفتوحة الذي سلكته الكاتبة أميرة المضحي، في رواية ( يأتي في الربيع ) هو أسلوب فيه احترام لعقلية القارئ وتركه يرسم النهايات كما يشاء، ويتصور، وهذه هي الحياة مفتوحة على كل الاحتمالات. انتهى.
.




