أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

أَتَعجَّبُ من فاقدٍ لا يبكي!

هلال الوحيد · القطيف اليومالإثنين 15 يوليو 2024، 9:23 م
أَتَعجَّبُ من فاقدٍ لا يبكي!

كلنا نحب الحياة وما تذكرنا لبعض مواقف الفقد والحزن إلا لأننا نريد أن يكون لحياتنا معنى وكمال وقيمة أرفع. ربّ أعط كل فاقد خلفًا وأعطه من الصبر ما يكفي ويزيد.

أريدك أن تتخيل معي مشاعر أمّ بلغ ابنها وكبر وهي تحلم بأن تراه عريسًا يملأ أيامها سعادة فإذا بالموت يقضي على كل أحلامها وآمالها. رجل يرى ابنه في طوله يفخر به بين الرجال يحمل اسمه، كل ذلك ينتهي ويدفن تحت التراب! لو استطاع كل فاقد أن يكتب شعرًا يسطر فيه أحزانه لملأت كتب الشعر آفاق الدنيا. مع ذلك شارك بعض الشعراء العالم أحزانهم. تعالوا - القراء الكرام - نستعرض بعضًا من أشعار الرجال أما النساء فأشد تأثرًا ووجعًا:

يحكي الإمام عليّ -عليه السلام- عن لوعة الحزن فيقول:
شَيئانِ لَو بَكَتِ الدِماءَ عَلَيهِما .. عَينايَ حَتّى تَأذَنا بِذِهابِ
لَم تَبلُغِ المِعشارَ مِن حَقَّيهِما .. فَقدُ الشَبابِ وَفُرقَةُ الأَحبابِ

قال أبو الحسن التهامي في ولده الشاب الفقيد قصيدة من تسعة وثمانين بيتًا، أظنّ أن الناس كلهم يعرفونها. جاء في بعضها:
يا كَوكَبًا ما كانَ أَقصَرَ عُمرَهُ .. وَكَذاكَ عُمرُ كَواكِبِ الأَسحارِ
وَهلال أَيّامٍ مَضى لَم يَستَدِر .. بَدرًا وَلَم يمهل لِوَقت سِرارِ
عَجِلَ الخُسوفُ عَلَيهِ قَبلَ أَوانِهِ .. فَمَحاهُ قَبلَ مَظَنَّة الإِبدارِ
واستُلَّ مِن أَترابِهِ وَلِداتِهِ .. كَالمُقلَةِ استَُلَت مِنَ الأَشفارِ
فَكَأَنَّ قَلبي قبره وَكَأَنَّهُ .. في طَيِّهِ سِرٌّ مِنَ الأَسرارِ

مات للشَاعر أبي ذؤيب الهذلي أبناء خمسة بالطاعون، فرثاهم وكانت قصيدته مليئة بمشاعر الألم، والحزن الكبيرين؛ قال في أولها:
أَمِنَ المَنونِ وَريبِهِ تَتَوَجَّعُ .. وَالدَهرُ لَيسَ بِمُعتِبٍ مِن يَجزَعُ
قالَت أُمَيمَةُ ما لِجِسمِكَ شاحِبًا .. مُنذُ اِبتَذَلتَ وَمِثلُ مالِكَ يَنفَعُ
أَم ما لِجَنبِكَ لا يُلائِمُ مَضجَعًا .. إِلّا أَقَضَّ عَلَيكَ ذاكَ المَضجَعُ
فَأَجَبتُها أَن ما لِجِسمِيَ أَنَّهُ .. أَودى بَنِيَّ مِنَ البِلادِ فَوَدَّعوا
أَودى بَنِيَّ وَأَعقَبوني غُصَّةً .. بَعدَ الرُقادِ وَعَبرَةً لا تُقلِعُ

مثل أبي ذؤيب رثى جرير ابنه سوادة فقال:
فارقتني حين كفّ الدهرُ من بصري‌ .. وحين صرتُ كعظمِ الرّمّة البالي‌
إلّا تكن لك بالدّيرين باكية .. فربّ باكيةٍ بالرّملِ معوال‌ِ
قالوا نصيبكَ من أجرٍ فقلت لهم‌ .. كيف العزاء وقد فارقتُ أشبالي‌

رثى ابن الرومي ولده محمّد فقال:
بكاؤكُما يشْفي وإن كان لا يُجْدي .. فجُودا فقد أوْدَى نَظيركُمُا عندي
بُنَيَّ الذي أهْدَتْهُ كَفَّايَ للثَّرَى .. فَيَا عِزَّةَ المُهْدَى ويا حَسْرة المُهدِي
ألا قاتَل اللَّهُ المنايا ورَمْيَها .. من القَوْمِ حَبَّات القُلوب على عَمْدِ
تَوَخَّى حِمَامُ الموتِ أوْسَطَ صبْيَتي .. فلله كيفَ اخْتار وَاسطَةَ العِقْدِ

رثى ابن عبد ربه ابنه يحيى فقال:
وا كَبدا قدْ تَقَطَّعَتْ كَبِدي .. وحَرَّقَتْهَا لواعِجُ الْكَمَدِ
ما ماتَ حَيٌّ لِمَيِّتٍ أَسَفًا .. أَعْذَرُ مِنْ والِدٍ على وَلَدِ
يا رَحمَةَ اللَّهِ جاوِري جَدَثًا .. دَفَنْتُ فِيهِ حُشاشَتي بِيَدِي
وَنَوِّري ظُلْمَةَ الْقُبُورِ على .. مَن لَمْ يَصِلْ ظُلْمُهُ إِلى أَحَدِ

غاية الأمر: تأملوا مصائب من فقدوا تهون عليكم مصائبكم! صوروا لأنفسكم حزن غيركم تهون عليكم أحزانكم! ما من أحد في الدنيا إلا وهو فاقد أو مفقود، {ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ}.