أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

فاطمة آل حبيل خلقتْ الحبّ فأينع حُسْنًا

ليلى الزاهر · القطيف اليومالخميس 15 أغسطس 2024، 1:48 م
فاطمة آل حبيل خلقتْ الحبّ فأينع حُسْنًا

ما إن استقر بي المُقام في مكان العزاء حتّى تدحرجتْ من عيني دمعتان عندما رأيتها ترثي أختها وتصفها بأنها روح الروح. بدت لي ملامحها تتدفق بالحنان حتى وإن صرعتها الأحزان على فراق شقيقتها، لقد كانت تردد: هل مثلها يمكن نسيانه؟!

كان للموت اليد الخفيّة التي انتزعت السعادة من قلبها ومزّقتها إربًا وطرحتها بعيدًا.

غادرت فاطمة صالح آل حبيل منزلها للمشفى، لم تعلم أنّها لن تعود مُجددًا، فقد وافاها الأجل وتركتْ حياتها المليئة بالعطاء والحنان والعطف والحب لأهلها ومحبيها، فأسلمت الروح لبارئها يوم الجمعة الماضي.

كانتْ الأم الثانية لأخواتها، نثرتْ الحبّ بين إخوتها؛ لأنها أدركت بفطرتها أجمل معاني الإنسانيّة، مضتْ مثل شاعر نظم قوافي العطر الزاكي فانتشرت بين حنايا القلوب. لكن قلوبَ أخواتها وذويها وكلّ أحبتها باتت تُنْشِئ قصائد الألم لفراقها. لقد تسلل نبأ رحيلها كوحيّ خفي يصعب التّحدّث في أمره؛ فتبصر مشاعر ثكْلى وتعثر على أفكار يصعب قراءتها، وألم ممض يُنهك الجسد.

قد تكون الحياة جميلة لكن جمالها عند فاطمة في تقديسها للعطاء الأسريّ والاجتماعي بكل أشكاله ولجميع عائلتها، ربما لن تنسى أختُها ذلك اليوم الذي تقاسمتْ فيه فاطمة لأول مكافأة لها مناصفة بينهما وقدّمت أسورة ذهب لأختها الصغرى.

عندما انطلقتْ بذرةُ العطاء عند فاطمة لم تتوقفْ عن النّمو وإنما أزهرتْ في أجواء محاطة بالوفرة وبجميع أشكال الحبّ فغطّى ظلالها جميع أحبتها.

تقول أختها: ليتني وهبتها عمرًا من سنوات عمري يُضاف لعمرها! ليتني تحمّلتُ جزءًا يسيرًا من عنائها! حتّى في أوج مرضها كانت تُخفي عنّا آلامها وليتها تستطيع لأن القلوب شواهد، وقلوبنا كانت تبكي لبكاء قلبها.

قد لا أستطيع أنْ أرثي فاطمة بكلمات مؤثرة لأن المواقف التي عاينتُها أبلغ بكثير من أن أكتب عنها لذلك كان مداد قلمي واهيًا ضعيفًا. أعلم جيدًا أنّ كلّ مسافرٍ لابد له من عودة إلى مكانه فليت فاطمة تزور بناتها وأخواتها طيفًا عابرًا، لعلهن يرتوين من ذلك الظمأ الشديد الذي خلّفه غيابها!

رحلتْ فاطمة وتركت خلفها عائلة تنتحب ليس أمامها سوى رسم طيف جميل مرّ سريعًا، ربما لأن بناتها وأخواتها قد جهلن اللغة المناسبة لرثاء فاطمة فهي بحاجة للغة أخرى تفي بجميع ما قدمت فاطمة لهم. رَحِم الله فاطمة فقد صنعت لنفسها قصورًا من الخير، يذكرها الجميع بحسن صنيعها، ويقتفون خطواتها في الحياة، أتقنت التمهيد لحياتها الأخرويّة، وعملت بجدّ من أجل هذا اليوم الذي رحلت فيه.

عندما يصمتُ اللسان، وينطَفِئ نور العين تلوحُ بوادر الانتقال إلى مكان آخر تصعبُ العودة مجددًا إلى حضن أحبابك، ولعل أصعب ساعات الفراق عندما يُقفل عليك باب بيتٍ جديد، لم تتكلف عناء شرائه مِسبقًا، ولم يترك مهندس أي بصمة بين جدرانه ولكن زينه عملك الصالح وأضاء بما صنعت في دنياك.

هكذا طوى الموتُ صفحةَ فاطمة وانتقلت حياتها إلى مكانٍ آخر، ولكن تبقى مرارة فقدها مؤلمة، نسأل الله لها الرضوان في دار السلام ولذويها الصبر والسلوان.