أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

«وداعًا أيها المرض (2)»

منصور الصلبوخ · القطيف اليومالخميس 22 أغسطس 2024، 3:54 م
«وداعًا أيها المرض (2)»

مفهوم الصحة لدى البعض هي اكتمال الحالة الجسمية والعقلية والنفسية، بينما البعض الآخر يرى الصحة مجرد غياب المرض أو اختفائه.

عندما يُرفع شعار «لا أحد يمرض بعد الآن» باعتبار أن المرض لم يعد موجودًا أو يمكن تفاديه، فإذا كان الأمر هو كذلك، فعلينا أن نتعامل مع المسألة بموضوعية، واقع الأمر أن المتأمل لذلك الشعار يرى فيه البعض فكرة بعيدة عن التطبيق العملي، وقد يجد فيه البعض الآخر مجرد عنوان جذاب، ولا شيء يوحي بعكس ذلك تمامًا، من هنا يأتي التساؤل على ألسنة القراء: هل هناك إنسان يتمتع بصحة وقوة دائمة ولم يمرض فعلًا؟!

بداية وقبل أن نجيب عن هذا التساؤل الذي يدور في أذهان الكثيرين، لابد من التأكيد أن المرض الذي شغل الإنسان واستنزف طاقته، هو أكبر تحدٍّ يواجه البشرية؛ نظرًا لما تحدثه الأمراض من متاعب وأمراض تفتك بالبشر، أمراض تكاد تكون لغرابة ظهورها أشد إثارة للمخاوف، محفوفة بهموم وآلام ومآسٍ في الحياة التي نحياها، تحد من قدراتنا وتجعلنا غير قادرين على أن نمارس حياتنا الطبيعية، شعرنا بأن العمر يطير، وأن الحياة أقصر مما نظن، ولعل أسباب حدوث الأمراض والعلل التي نعانيها تعزى إلى وجوه عديدة ومن أبرزها: عوامل وراثية، وسوء التغذية، وآفات العصر الحديث وأهمها: الملوثات البيئية، والأوبئة، والسلوكيات الخاطئة، وعوامل نفسية وضغوطات حياتية مختلفة. وحيث إن معظم تلك الوجوه عوامل متغيرة، والإنسان يمكنه التحكم فيها.

كنت أقول: «لا أحد يمرض بعد الآن» بدأت بهذه المقولة رغم أنها قد تكون بعيدة عن قناعات الكثير من الناس، كون المرض مظهرًا من مظاهر الضعف البشري، وقد يكون ابتلاء من الله -عز وجل- يصيب الصالح والفاسد، والطائع والعاصي، وما منا من أحد إلا ويصيبه المرض، أو يصيب من حوله ممن يحب، فهو يعيش معنا ويشغل حياتنا.

المرض محنة نمر بها إن اقتصرت نظرتنا إليه على ذلك، أو هو وسيلة تساعدنا بها الحياة في الاستمرار والبقاء. وفي الحالتين، فإن المرض سجل لتاريخ الجنس البشري يحكي لنا قصة كل وباء وكل خطر، استطاع أسلافنا أن يحيوا عبره.

لكي نفهم المرض نحتاج إلى أن نغيِّر نظرتنا إليه. فبدلًا من عدّه خطأ يقع علينا عبء إصلاحه، علينا أن ننظر نظرة أكثر عمقًا ونسأل لماذا حدث ذلك الخطأ وظهر هذا المرض من الأساس، وحين نفعل فإننا سنحصل على إجابة تعمق فهمنا، وتثير دهشتنا، وتعطينا فرصة لحياة أطول وأكثر صحة.

هناك وجهان لأمراض الجسد؛ الأول: أمراض نصنعها نحن بأنفسنا، تصيب الجسد ومردها سلوكيات خاطئة تحدث نتيجة أفعال وأعمال من صُنْع الإنسان نفسه. والثاني: ابتلاء واختبار من الله سبحانه وتعالى. ولكن ماذا عن الوجه الأول الذي يتولد من سلوكياتنا الخاطئة؟ إن الكثير من الناس قد أوصل نفسه إلى مراحل مرضية لا يحمد عقباها. آه نعم أريد أن أقدم أسلوبًا في كيفية تجاوز أو تجنب المرض، هل هذا هدف ممكن؟! منذ سنوات نشرتُ مقالة بعنوان «حياة بلا مرض» وكان الهدف لفت النظر إلى مسائل بالغة الأهمية تتعلق بمساعدة الناس وتوعيتهم وتحسين وضعهم ونمط حياتهم. وهذه محاولة أخرى بأسلوب مبسط، آمل أن تحقق النتيجة المأمولة -بإذن الله تعالى- هي فكرة حل أو علاج أو بديل عن العلاجات الدوائية غير المطمئنة، فالطب الحديث أخذ عندنا اتجاهًا مختلفًا، فقد تحول معظمه إلى فكر مادي وتسبب بِكَمٍّ لا يعلم به إلا الله من الأضرار.

إذا أردت أن تحتفظ بخط حياتك مستقيمًا، فانتخب أحد أمرين؛ إما أن تنفق وقتك وجهدك في حياة شاقة جدًا، أو أن تفتش عن مفتاح الصحة الذي يجنبك الأمراض، وأنا من الذين استفادوا من مفتاح الصحة (نشكر الله ونحمده على نعمة الصحة ودوامها إن شاء الله).

وإذا صادف أنك لم تمرض منذ وقت طويل ولم تراجع طبيبًا، فهل تفكر بأيام التعب والألم حين تضطر لمراجعة الطبيب وتتكبد متاعب ومتطلبات مالية تتجاوز طاقتك؟ اليوم وتحت وطأة الأمراض المستعصية والموجات الوبائية التي اكتسحت عالمنا المعاصر، فقدنا الراحة ومتعة الحياة.

عندما أشاهد شخصًا يأكل فطيرة جافة أو وجبة سريعة أو مشروبًا غازيًا، دون شك المشهد مزعج ومحزن، هذه أغذية ميتة أو خاوية؛ خاوية المحتوى الغذائي، بالإضافة إلى ما تحمله من مخاطر صحية نحن في غنى عنها.

أتظن أن الأطعمة الميتة تعطيك الصحة؟! لكي تغذي جسمًا حيًا! يجب أن تعطيه أطعمة حية. يكفي أن ننظر إلى سكان المناطق الريفية وحالتهم الصحية، هم يتمتعون بمعدلات صحية أفضل، لأنهم يعتمدون على ما تخرجه الأرض من غذاء. وفي الإكوادور يقع وادي المعمرين في فيلكا سمبا، وسكانه أحفاد هنود الأنكا، ويحتفظون بأسرار الشباب الدائم، ولماذا سكان أكيناوا هم أقل الشعوب تعرضًا للإصابة بالأمراض؟ وما السبب وراء ارتفاع معدل أعمارهم؟ الإجابة هي الكلمة السحرية التي اكتسبت مكانة هائلة ودورًا مؤثرًا خلال العقدين الماضيين: الطبيعة.. العودة إلى الأكل الطبيعي. يعيش سكان أكيناوا حتى عمر 100 عام، ويأكلون في الغالب النشويات. ثم لديك شعوب الإسكيمو الذين لا يأكلون النشويات أبدًا ويأكلون اللحوم فقط، يأكلون المأكولات البحرية من أسماك وأعشاب بحرية طوال الوقت، ويعيشون حتى 100 عام. ثم قبائل الماساوي في شرق إفريقيا، هم يشربون الحليب ويأكلون لحم البقر، ويعيشون إلى 100 عام.

إذن، ما الذي يجمع كل هؤلاء الناس؟ السمة المشتركة بينهم جميعًا، ليس هذا النظام الغذائي وذاك. لحوم أو دون لحوم شيء واحد مشترك بينهم جميعًا، الجميع يأكلون ما يزرعون، أطعمة غير مصنعة. نعم طعام طبيعي. هذا ما يأكلونه!

يجمع الباحثون على أن أسرار طول العمر والصحة الدائمة لهولاء الشعوب المختلفة تكمن في البيئة النظيفة، والطبيعة الجميلة، والطعام الطبيعي، والحياة الهادئة تلك الحياة التي تسودها الصحة وبلا متاعب وأمراض.

يتوقع معظم الناس أن يمرضوا مرة واحدة على الأقل كل عام، وأن يتغلّبوا على مرض خطير واحد على الأقل في حلول منتصف العمر، وعلى الأرجح أن يموتوا بسبب مرض واحد أو عدة أمراض في حلول الثمانين إن لم يكن ذلك في وقت أقرب.

يعتقد معظم الناس أيضًا أن سوء الحالة الصحية ترجع أساسًا إلى سوء الحظ، وأن طول العمر لديهم أمر جيد الحظ. لا شيء يمكن أبعد عن الحقيقة، الصحة السيئة ليست مسألة حظ، سوء الصحة هي مسألة اختيار. نحن لا نمرض، نحن نصيب أنفسنا بالمرض، من خلال اتخاذ خيارات سيئة، وعلى العكس من ذلك نحن بصحة جيدة ونبقى بصحة جيدة من خلال اتخاذ خيارات جيدة.

يشعر معظم الناس أنهم بصحة جيدة طالما أنهم لا يعانون من متاعب وأمراض، وقليل من الناس يدركون ما هي الصحة المثالية حقًا، وحتى أقل عدد منهم يقبلون فكرة أن الحياة الحقيقية هي التي تتجاوز فيها مائة عام من العمر -بإذن الله- في متناول اليد، في الواقع هذا النوع من العمر الطويل هو ما يجب أن نتوقعه جميعًا بشكل روتيني، جميعكم أنتم تفكرون بالعيش لمدة مائة عام وأكثر.

وما لا يمكن أن نسمعه من أي شخص يعاني من متاعب صحية هو أن المال يمكنه أن يعطي الصحة فعلًا. سنظل نعاني الأمراض التي ستكون الشغل الشاغل، ترى كيف علينا كمرضى أو أصحاء أن نحمي أنفسنا من الأمراض وآفات العصر؟ كيف علينا أن نصون صحتنا؟ كيف علينا أن نقوي مناعتنا؟ ترى كيف علينا نحن المرضى أن نصمد أمام التحديات الحياتية التي ما انفكت تتصاعد وتكبر؟ لا نحتاج إلى الكثير من التأمل لندرك أن الأمور قد تجري نحو القضاء على المرض، أزعم أن ذلك هدف حيوي، وهو ممكن فهو إذن ممكن اليوم. إذن لا همَّ لنا غير الصحة وإطالة حياتنا. فرصة عظيمة للشفاء أو تقليل مخاطر الإصابة بكثير من الأمراض! وللحديث بقية.