أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

الإبداع الأدبي رسالة إنسانية لا وطن لها!

غالية المحروس · القطيف اليومالأربعاء 4 سبتمبر 2024، 11:05 ص
الإبداع الأدبي رسالة إنسانية لا وطن لها!

أخبرتني ذات مرة إحدى الأخوات السوريات: -لعلي نوهت عن ذلك في أحد مقالاتي- بأنها تعرف مصر جيدًا، سألتها كم مرة زرتِ مصر؟ قالت لي ولا مرة ولكنها، قرأت لنجيب محفوظ ويوسف إدريس والكثير منهم، فحفظت مصر من خلال أقلام الكُتّاب المصرية، وهنا سؤال يؤرقني دائمًا أين الأقلام هنا؟! رغم أن لدينا وبفخر الكثير من الكُتّاب، هنا بوركت أفكارهم وإبداعاتهم ولكن! لندع القراء يصلون القطيف ويتعرفون عليها من خلال أقلامكم، نعم نحتاج لأقلام أكثر، وللأسف أيضًا هناك البعض من لا يقرأ أبدًا حتى لا أقول يكتب.

هناك فكرة تراودني اليوم وأنا أبدأ بكتابة مقالي هذا، فاسمحوا لي حيث لا أعرف التودد ولكني، أفهم الأدب بأنه التزام واعٍ بأوجاع الناس وهمومهم وتطلعاتهم، فالمقال ليس هو ما يقصد إليه الكاتب فقط، بل هو أيضًا ما يفهمه القارئ منه، ولا أخفي عليكم، أحمل معي أحيانًا ورقة أسجل عليها بعض مشاهداتي، لعلي ألتقط المواقف الصعبة والأفكار الجريئة وأجسدها دون تكلف ولا أنتظر التصفيق، أما النقطة الوحيدة التي أومن بها شخصيًا كصاحبة قلم هي مغامرة الفكرة لأكتبها. ومما لا شك فيه، عليَّ هنا أن أحترم ذائقة القارئ والتمس منكم العذر، فما أكتبه لا أراه تمردًا كما يبدو للبعض، بقدر ما أراه واقعًا حقيقيًا نابعًا من داخلي، وما أود ذكره أن الأروع ستكون تلك المقالات التي لم أكتبها بعد.

المهم أن النقطة التي أود الإشارة لها هنا تتعلق بمسألة أن هناك أفكارًا وأراءً مغلوطة عند البعض عن المرأة المثقفة، فلدينا أسماء نسائية بأصوات أدبية لها باع في الساحة، فلست من ذكر أسماء محددة حيث الأسماء لا تستوقفني بقدر ما أقف عند المحتوى، وإلا سيكون هناك لغو حضاري لا يروقني ولا حتى يروق للقراء أيضًا. يخبرني إحساسي بأنه لدينا مبدعات قادرات على حماية الذاكرة الأدبية القطيفية التي تهذب الفكر دون تجميل أو مساحيق ثقافية. وهنا أتمنى جيلًا نسويًا مغرمًا بالقراءة والاطلاع دون حدود، هنا وصدقًا لا أحبذ التقسيم في الأدب والثقافة، حيث أرفض التجنيس الأدبي، فلا ينبغي أن نعبث في قداسة لغتنا الغنية بل أسميه أدبًا إنسانيًا، حيث الإنسانية ترفع المرء إلى حدود السماء، ومع ذلك ومن هنا، أشجع المرأة أن تبحث عن فكرها وتحدد إبداعها، أيتها المرأة الغائبة عن الساحة الأدبية، اكتبِي إبداعاتك وسيدرك القارئ لاحقًا من تكونين، هناك أمر أثار اهتمامي كما أثار اهتمام وفضول البعض من القراء المثقفين، لما أطرحه من مقالات جريئة وصل لسمعي أن البعض يبحث عن من أكون؟ هل لكوني امرأة مثلًا؟! أعترف هنا بأنني امرأة استهوتني الكتابة منذ زمن ليس بالقريب، من بعد قراءات واطلاعات عميقة فلا ينبغي اليوم أن أنكر أنني لست صاحبة قلم جريء ونزيه، لقد صعدت أمواج التحدي وصنعت من الفشل نجاحًا خاصًا بي.

هناك سؤال قد يؤرق البعض أيعقل أن يجمع الكاتب بين الصمت والضجيج ويبدع فيهما معًا؟ لم لا والإبداع الأدبي رسالة إنسانية لا وطن ولا حدود لها، أجد نفسي أعبر عن أشياء أحيانًا لا أدركها إلا حين يصبح مقالًا مقروءًا، وحينها أبتسم قائلة لنفسي: هذا ما أردته ولن أضيف على ما أوضحته! فالكتابة فسحة ومساحة تتاح للتعبير عن وجود متميز بل هي إبداع قبل كل شيء. ما جدوى الثقافة إن لم تكن مشاركة من يمتلك التعبير ومساهمة ممن لا يجرؤ على ذكر تجاربه ومواقفه وذكرياته وأوجاعه للآخرين كمادة أدبيةُ، ولماذا هذا التكالب على المجتمع من خلال تحييد المثقف عن جراح مجتمعه وأوجاع ناسه.

الثقافة رؤية وليست فقط كلمات تقال والثقافة مجتمع قبل أن تكون مجاملات متبادلة لا قيمة لها، وبصدق إن ما يؤلمني في كيفية ترميم الفكر الثقافي نحن بحاجة إلى تنشئة جيل من المثقفين، وساحة الثقافة اليوم واسعة جدًا ومتاحة للجميع، وما يقلقني ظن البعض أن الحركة الثقافية الأدبية لم تبدأ إلا بهم متجاهلين جهود الآخرين في تلك الحركة الثقافية، فعلى المثقفين أن يتسلحوا اليوم بمنهج فكري قوي لخدمة المجتمع، دون تردد بقدر ما يتأتى من المستثقف الذي لا يملك أساسًا هذه المعرفة! وهنا تكمن الكارثة، وكم هي ظالمة ثقافتنا عفوًا لعلي قصدت أنها مظلومة!

قد يلتمس القارئ بعض التأوهات الدفينة في سطوري، ولهذا أخشى عليك أيها القارئ العزيز البقاء هنا. منتظرًا نهاية مقالي بما فيه البوح سوف أترك للقارئ بعض الراحة، ودون أن تشعر بالوقت ونحن نعيش في مجتمع يعشق الإطراء والمجاملات، حيث ألمح تعليقات إيجابية تطربني ولعلي أراها أحيانًا أخرى مبالغة تشعرني بعكس ما يجامل الآخر. وما أدهشتني حقًا حتى الانبهار هي إحدى القارئات التي استطاعت في فترة قصيرة أن تعيش وتتقمص وجعي بين السطور.

أوشكت على النهاية ولم أشعر أن مقالي قد انتهى، أعتذر للجميع إن كنت أسهبت في الكتابة كعادتي، ولكن لم أجد أحسن ما أنهي به مقالي هذا، إلا أن أستشف في نفسي صوت القطيف، التي أتمنى دومًا الاكتواء بشمسها، اعذروني حيث أتنفس بعمق كلما جاء ذكر مدينتي الحبيبة القطيف، وهي جزء منا ونحن جزء منها. لنحتضن أهلها ونتبنى إبداعاتهم ونتواصل معًا ثقافيًا وحضاريًا وإنسانيًا، فالقطيف أولًا ثم أولًا ثم أولًا، فكل شبر فيها أرضنا وكل الناس أهلنا.

أفخر بكل الأقلام المبدعة والواعدة على أرض القطيف الحبيبة.