العجوز والقدو!

أخذت تتأمل القدو وكأنها لأول وهلة تشاهده، لم يخطر ببالها تصميمه المميز رغم مرور ما يزيد على نصف قرن من استخدامها له والشفط من دخانه، كانت تعتقد أنها تعرف كل بقعة في جسمه. شاهدته هذه المرة على شكل تحفة فخارية، قصبة لها حلقات متساوية المسافات، متصلة بقاعدة أسطوانية مدببة الشكل، شعرت بفخر غريب هذا اليوم بهيئته ولونه الفخاري الأصفر الذهبي، لاحظت بخار الماء الندي على جوانبة، تسيل حباته المتلألئة فتنساب حتى تستقر في الصحن المعدني، وحيث لايزال اليوم في أوله، كان الغليون ينفث دخانه إلى الأعلى على شكل خيوط هلامية، بعضها الرفيع يتداخل مع الركامات المنبعثة تباعًا.
الجدة تأخذ نفسًا عميقًا وتنفث بحزمة الدخان صوب الجهة اليسرى من مجلسها، قابضة بخفة على القلم الأملس القصبي إلى حيث فتحة الدبة الواقعة وسط الجهة المدببة، يا له من صنعة جميلة، وهندسة بديعة، مررت يدها على القصبة الفخارية، المرسومة كدوائر بنتوءات بارزه كأنها أساور من ذهب مشغول على هيئة متاريس حلزونية، إلا أن (البكار) وهو سيد القدو ينتصب شامخًا بكل علو ورفعة، واضعًا تاج رأسه المغطى (بالبادقير)، وقد ازداد اشتعال الجمر المتوهّج فوق التبغ وانتشرت رائحة الغليون لتغطي مساحات الصالة الضيقة لتعبر تلك الأدخنة بعدها إلى الغرفتين المتجاورتين.
قالت تخاطب نفسها: البارحة عندما زارتني حفيدتي وسألتني عن عمري فقلت لها قرابة الستين عامًا فأخذت تضحك وتضحك حتى دمعت عيناها. عندما قالت بطريقتها المازحة؛ يعني ماما أكبر منك، فهي في سن الثانية والستين، كيف تكون البنت أكبر من الأم؟ فأجابتها متسائلة: هل هذا يعني أنني بلغت السبعين من عمري؟ فضحكت (العفريتة) مرة أخرى حتى سالت دموعها وكادت تشرق بريقها، وقالت بعفوية: يعني أنجبتي ماما عندما كان عمرك ثماني سنوات، تصوري يا جدة أنك في ذلك الوقت أصغر مني بخمس سنوات، أنا الآن في عمر الثالثة عشرة، هل كان بمقدوري أن أنجب بنتًا وأنا في سنك الصغيرة؟!
تذكرت الجدة أنها حينما أنجبت ابنتها البكر كان عمرها ستة عشر عامًا، فقالت متسائلةً هل هذا يعني أنني قريبًا أدخل في عمر الثمانين عامًا؟ والدتي رحمها الله قد توفيت في عمر الثمانين، وأختي توفيت في عمر أصغر مما وصلت إليه بعام واحد، وكل النساء تتوفى في عمر الثمانين، وبعضهن في السبعين من العمر، والغالبية يتوفين وهن شابات صغيرات. يعني لم يبق لي من متع الدنيا وقتًا طويلًا، تمنيت أن آخذ هذا القدو معي للقبر حتى آنس به في وحدتي هناك!
تبحلق الجدة في الأدخنة المتطايرة، تتبع خيوطها الصاعدة إلى الأعلى، راسمة صورًا مختلفة، بينما راح القدو يقرقر كلما سحبت نفسًا، وكلما تطاير الدخان عاليًا ازداد في عينيها غبش يمنع عنها رؤية الأشياء من حولها، وازدادت اضطرابات أنفاسها، خاطبت نفسها: نعم هي السنون الطويلة قد ولت، ولم أعد قادرة على حسابها، كنت أظنها بضع سنوات ثقال قد أمضيتها بيني وبين عزيزي القدو، فقد ذهب جميع من أحببتهم إلى مثواهم الأخير، تراكضوا مختبئين تحت الثرى، أين مهدية وهاشمية، والخالة علوية، أين هن جميعًا؟ تنسحب الواحدة تلو الأخرى من هذه الدنيا الفانية، جميع الإخوة وجميع الأخوات ذهبن إلى آخرتهن وتركنني وحيدة أنظر صورهن في هذه السحب الدخانية المتصاعدة، تبًا لهذا الغليون البارد يجلب لي التوتر والحزن، كل شيء أصبح من حولي باردًا، حتى ضحكات أطفال بناتي لم يعد فيها حرارة، أصبحت هذه الأيام الثقال تمضي على ظهري، كأني أحمل أثقال السماء، أين فهيمة صاحبة البسمة المشرقة؟ وأين رفيقاتي اللاتي كن يملأن هذا المكان ضحكًا وصخبًا ونكات، أين تلك التي تأسرني بصراحتها زكية، لم يكن لديها أسرار، فكل أعمالها البيضاء وخدماتها لأهلها وجيرانها، نراه قصصًا وحكايات بهيجة، تتنافس الصديقات في سرد ما يقمن به من أعمال منزلية بكل أريحية وحبور ودون حواجز أو منغصات، وكانت قصصهنّ تلك تعج بالمتعة والسعادةً أما الآن فلقد أصبح كل شيء باردًا دون روح، كسرة الخبز التي أتناولها مع كوب الشاي لم يعد لها طعم ولا ذوق، أحس أنّ الدنيا قد أُفرغت من أصحابها، وصرت كالمسجونة داخل نفسي! فليسمعني إن كان قادمًا هذا المساء، أو في أي مساء كان، أو ربما في الصباح، لا أطلب منه أن يأتيني ليلًا، فأنا أخاف الظلام، رجوتك يا رب أن تبعثه لي نهارًا، لقد كرهت الظلام والظلمة المنتشرة في كل ناحية من حياتي، كما أنني طالبة ومتضرعة إليك ألا تحرمني من هذا العزيز القدو، اسمحوا لي أن آخذه معي، لماذا يكون هذا كثيرا عليّ؟ فقد سمعت في القصص القديمة من روايات أمي وجدتي أن أجدادنا القدماء كانوا يأخذون معهم ما يشتهونه إلى مستقرهم الأخير! فلا تحرمني منه بحق وجهك الكريم، فلم يعد لي رغبة في البقاء، لقد اشتقت إلى جلسات التحبة.
لم تكد العجوز إنهاء مناجاتها، ونفث زفراتها، حتى سمعت طرقًا على الباب، فتساءلت بصوت خافت: هل أنت أتيت؟ وهل أتجهز وأخذ القدو معي؟ فأجابتها الحفيدة الصغيرة ذات العشر سنوات: افتحي الباب يا جدتي، أسرعي هيا الجو بارد في الخارج، اليوم صقيع لا يحتمل، إننا نتجمد من شدة البرد، فأجابتها في الحال، إنني قادمة باعفريتتي الصغيرة، عندما فتحت مزلاج الباب كان جميع بناتها يحملن صحون الحلويات والكعك، واحتضنها برفق وقبلن جبينها الواحدة تلو الأخرى، وقلن لها متباركة أيها الجدة بدخول الشهر الفضيل وعساك من عواده. تبسمت وهي تُمسح الدموع، قائلة أصبح المكان دافئًا وأبخرة القدو اللعينة ولت هاربة من الباب الذي أتيتن منه، أما الحفيدة الصغيرة فقالت مبتسمة: سنأكل هذه الحلوى والكعك معك يا جدة طوال هذا الشهر الكريم.



