عجوز تمنت أن تكون صبيّة.. نكبر ويكبر معنا همّ صحتنا!

للأصحاء: استمتعوا بصحتكم وحافظوا عليها. لا تدعوهَا تفلت من أيدِيكم ما استطعتم. معاذ الله، ليست هذه الخاطرة من باب التشاؤم وقلة الحمد إنما من باب التذكير بما يأتي في سنوات الكبر من هموم اعتلال الصحة والمرض والرجاء من الله أن تنتهي أيام العمر على خير.
بعد انقضاء سنوات الشباب ومنتصف العمر، حيث القوة والصحة غالبًا ما تكون في أوجها، يبدأ الجسم بالتصدع شيئًا فشيئًا. ولأن الأمر يتم على شكل تغير تدريجي بطيء مثل تسخين الضفادع لا نهتم بصحتنا حتى يغلي الماءُ ويموت الضفدع!
تعال واسأل عينة من الذين أخذوا يمشون في الستين سنة من العمر وما بعدها عن مشاكل الصحة؛ الوهن، السكري والقلب وضغط الدم، ضعف العيون، آلام الظهر والركبة! سلسلة طويلة وعريضة من المتاعب، أحيانًا ينفع العلاج وأحيانًا دون جدوى!
نحن نشبه إلى حد ما السيارة؛ فيها مكنة وهيكل وحامل هيكل، تتحرك على عجلات وتحتاج إلى وقود. هذه السيارة تؤدي وظيفة، تنقل بضائع وركابًا ويصيبها عطلٌ من فترة لأخرى. بعض العطل يمكن إصلاحه وتعود السيارة تعمل بسلاسة حتى يظهر عطلٌ آخر وبعض الأعطال لا يمكن إصلاحها مهما كان ماهرًا الميكانيكي!
عَجوزٌ تُرجّي أنْ تَكونَ فَتيَّةً .. وقَد نَحِلَ الجَنبانِ واحدَودَبَ الظَّهرُ
تَدُسُّ إلى العَطّارِ مِيرةَ أهلها .. وَهَل يُصلِحُ العَطّارُ ما أفسَدَ الدَّهرُ؟
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً}! مرحلة الضعف والشيبة لا تأتي في ساعةٍ واحدة ولا ليلة واحدة، فتأخذنَا على حين غِرة، إنما شيئًا فشيئًا! كنا شبانًا وها نحن نغادر تلك المرحلة سنة بعد أخرى فهل نعتبر؟
أريد أن أستخلصَ العبرة في نهاية هذه الخاطرة ألا وهي أن الحياة والأقدار لا تعطي ضمانًا لأحد فلا شيء يدوم. لا شبابًا يدوم ولا صحة تدوم فبعد أن كنا أطفالًا رُضَّعًا بين أذرع الأمهات نعود ضعفاء من جديد غير أن الطفل يكبر ويشتد عوده والكبير يهرم ويضعف.
هذا لا يعني أن ليس لكل مرحلة من الحياة جمالها ورونقها! صحيح أننا لم نستقبل سنوات كبر السنّ بالأحضان، لكن في سنوات الكبر من الجمال والبهاء ورجاحة العقل وتجارب الحياة ما ليس في سنوات الشباب التي تتميز بالنَزق والعجلة والطيش. شاهدٌ على هذا ما يذكر من أقوال الإمام علي عليه السلام: "رأي الشيخ أحب إلي من حيلة الشباب".
فدع الصبا فلقد عداكَ زمانه .. وازهد فعمركَ منه ولى الأطيبُ
ذهب الشبابُ فما له من عودةٍ .. وأتى المشيبُ فأين منه المهربُ
ضيفٌ ألمّ إليك لم تحفل به .. فتَرى له أسفًا ودمعًا يُسكبُ
دع عنك ما قد فات في زمن الصبا .. واذكر ذنوبكَ وابكها يا مذنبُ



