مَخَضَ

كانت النساء قديمًا في منطقة الخط (الأحساء - القطيف - البحرين) لديهن جرة خزفية تسمى (المنخضة - بالقطيف) ولست متيقنًا باسمها في المناطق الأخرى (ولا بأس بذكرها للاستفادة) وهي جرة فخارية تستعمل لمخض اللبن (الحليب) حتى يتم فصل الزبد عن اللبن (أو تحويل الحليب إلى لبن - يتم وضع الحليب مساءً بها ويترك حتى يبدأ بالتخثر والتحول إلى لبن ولو جزئيًا وبالخض يتحول إلى لبن بشكل كامل)، وكانت تغطى بقطعة جلدية (قماشية) وتربط بحبل جيد الوثاق (جلد أو قماش) حسب الطريقة المستعملة وفي الفترة الأخيرة استعمل المطاط المأخوذ من قطع إطارات السيارات (التيوب)، وذلك حتى لا تنفتح مع تكرار هزها وانتفاخها نتيجة التفاعل الحاصل داخلها.
ورحم الله السابقين، فقد كانت إحدى جداتي وأقول هنا جداتي لجهة الوالدة (أم السيد عباس الرمضان) سعدة حبيب حسن غزوي رحمها الله (قصدًا) فهي أُرضعت من قبل عدة نساء فواضل ذوات قدرات وإمكانيات عالية ومتعددة بعد أمها الوالدة الهاشمية (أم حسن حبيب حسن غزوي) السيدة حسنة (هاشمية) السيد هاشم السيد عباس السيد علي الرمضان والتي هي مثلهن وهن كل من (أم السيد عدنان السيد محمد العوامي أسمى (أسماء) حسن البيات - (أم مسلم حسن رضوان الحداد) صالحة حسن آل حمادة - (أم السيد عدنان السيد جواد المدلي) زهراء أحمد البحراني) وإن شاء الله أوفق للكتابة عنهم.
نعود لإحداهن والتي كانت ترضع طفلين وهي تخصف الخوص باليدين وتدخن (القدو) في فمها وتخض (المنخضة) برجلها و(يمكن تسولف بعد ويا النسوان اللي حولها) (اللهم صل على محمد وآل محمد)، أليس ذلك قدرة عجيبة.
المقصد، (المنخضة) وخض الحليب واللبن لها طريقتان معروفتان لمن قام بهما:
الأولى: الخض البطيء الذي يستغرق وقتًا طويلًا لساعات وتكون الجالسة تلك المرأة الصالحة وتحت رجلها (المنخضة) وهي تحركها ذهابًا وإيابًا حتى تصل لمرحلة انفصال الزبدة عن اللبن.
الثانية: هي الأقل استعمالًا لما تتطلبه من مجهود كبير وقوة وعنف يتم فيه خض (المنخضة) بقوة كبيرة خلال وقت قصير لإتمام هذه العملية، وكان والدي يرحمه الله (السيد حيدر السيد محمد السيد هاشم الرمضان) ممن يقوم بهذه العملية لما لديه من قوة عرف بها.
وكلا النوعين هما للفصل بين مادتين متداخلتين بواسطة طرفٍ ثالث، فاللبن و(الحليب) من الناحية الصيدلانية هما عبارة عن مزيج بين ثلاثة أشياء أساسية الماء والزيت والمادة التي تجمع بينهما وهي (المُستَحلب)، والتي بها يتحول المزيج للون الأبيض وعند الخض تبقى تلك المادة مع الماء في مزيج اللبن وينفصل الزيت عنهما.
والخضُ هو دائمًا عمليةٌ للفصل بين الأشياء وهي عملية طبيعية للفصل بين الصالح والطالح، بين المفسدِ والمصلح، بين الشقي والسعيد، بين الحليم والغاضب، ومنها ما هو بين المرأة وطفلها والمعروف بالمخاض.
ونحن في حياتنا نمر بمراحل مخاض متكرر ودائم تفصل جانبنا المضيء عن المظلم والحسن عن الرديء وهذه المخاضات إما طويلة وتحتاج لنفس طويل وصبر وإما سريعة وعنيفة وتحتاج لعقل وتروٍ، وفي النهاية فيها مع من نكون نحن (النفس والعقل) المادة المستحلبة؟ هل مع المفيد لنا ومنا والصالح أم مع السيئ لنا ومنا الطالح.
(اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك واجعل لي من أمري فرجًا ومخرجًا).



