قاطع الرحم.. فقير

كثير من العوائل تشتكي من انفصال جزء من أسرها عنها بعد انتقال مقر السكن لديهم إلى مكان آخر -غالبًا تكون الفترة الزمنية بين السكن الأول والثاني لا تتجاوز عشرين دقيقة-؛ غير أن بعض هذه الأسر تقطع التواصل التام مع أفراد العائلة الأم، فلا تحضر مناسباتها ولا تقف معها في التعزية ولا في الأفراح، وكأنها تسكن خارج البلاد، وهذا أمر يتنافى مع الدين من جهة، ومع الأخلاق والقيم من جهة أخرى، ويوّرث الشحناء والخصومة من جهة ثالثة.
الحضارة أو الشهادة أو الحداثة التي تحبها وتحب العيش وفق بروتوكولاتها إن قطعت صلتك بأرحامك -أبديًا- فهي كزبد البحر لا قيمة لها.
علمّوا أولادكم على وجوب صلة أرحامهم، وعوّدوهم على حضور المناسبات العائلية، واغرسوا في نفوسهم الانتماء، وخذوهم معكم أثناء التزاور والاجتماعات العائلية.
لا توّرثوهم القطيعة، أو الشللية (الفئوية) كحضور مناسبات آبائهم وأمهاتهم فحسب، وترك مناسبات أبناء عمومتهم. بعض الأسر يقتصر حضورها على مناسبات أعمامها وعماتها أو أخوالها وخالاتها فحسب؛ ولا يعنيها ما عداهم من أفراد العائلة الأم، وهذا أمر يعكس فقدان الموجه، وهشاشة العلاقة الرحمية، وعدم الانتماء، ومدى اللامبالاة.
أغلب أسباب قطيعة الرحم واهية. وغير مسؤولة، وغير مبررة مطلقًا؛ غير أن قليلًا منها يشفع لأصحابها بالعذر -وهؤلاء معذورون- وخارج دائرة المقال، ومن ذلك حين لا تأمن على نفسك أو أهلك من الأذى، أو تتعرض للتربص أو الإهانة أو الاعتداء أو الهمز أو اللمز.
كل شخص يستصغر أهله -جميعًا- ويذمّهم، ولا يتشرف بالانتماء إليهم، ويتربص بهم الدوائر، ويرى نفسه أكبر منهم؛ هو عدم وإن كان ظاهره وجود.
كل شخص يتنكّر لأهله وأرحامه، ويقطعهم عنوة؛ هو فقير مهما علا منصِبًا، أو عِلمًا، أو وجاهة، أو مالًا.
نحن لا نطلب المثالية في صلة الرحم -مطلقًا- ولكن الحد الأدنى من الصلة ليس بكثير على أرحامكم وأحبابكم. مؤلم جدًا أن تسأل شابًا في المرحلة الجامعية -مثلًا- عن أهله وأرحامه فتجده لا يعرف منهم أحدًا.
قد يكون هناك قطيعة محمودة بين الأرحام عند تكرار الأذى والضرر والتعدّي (أي لحفظ النفس)؛ ولكنه يكون عادة مع أسرة أو أسرتين لا مع العائلة بشكل عام.
أرى شخصيًا أن أعيش في خرِبة مع أهلي وأرحامي وأحبتي بسلام واحترام وحب؛ خيرًا من الحياة في أجمل القصور من دونهم.
وحتى يكون الختام مسكًا نستشهد بأحكام السماء وشريعة محمد وآله في قاطع الرحم؛ وقولهم فصل الخطاب.
قال تعالى: (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار). وقال تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم).
- قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ثلاثة لا يدخلون الجنة؛ مدمن خمر، ومدمن سحر، وقاطع رحم.
- قال الإمام الصادق (عليه السلام): الذنوب التي تعجل الفناء قطيعة الرحم.
- قال الإمام الصادق (عليه السلام): اتقوا الحالقة، فإنها تميت الرجال، قلت: وما الحالقة؟ قال: قطيعة الرحم.
- قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أقبح المعاصي قطيعة الرحم والعقوق.
- قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم.
- وعنه (صلى الله عليه وآله): إن الملائكة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم.



