أثير القطيف
الإثنين 12 أكتوبر 2026
مصادريكل المصادر
اختر الصحف التي تريد أخبارها
التنبيهات
أدب ورأي

هذا قبر المرحوم!

هلال الوحيد · القطيف اليومالخميس 30 يناير 2025، 1:22 م
هذا قبر المرحوم!

صباح نديّ بقطرات المطر، قبل طلوع شمس اليوم الخميس الثلاثين من كانون الثاني/يناير 2025م.

لكي تتضح الفكرة أضعك في نقطة جغرافية حيث الموقع جزيرة تاروت على ساحل البحر، شرق المملكة العربية السعودية، وهي كما باقي بلدات المنطقة التي حولها يختلط فيها الدين والثقافة والموروث في حزمة متسالمة متوائمة.

إذا زرت مقبرة الجزيرة - أو المقابر حولها - سوف تلحظ الشواهد - لوحات مستطيلة - على القبور كلها مكتوب فيها جملة "هذا قبر المرحوم" قبل اسم من في القبر إن كان المدفون في القبر رجلًا و"المرحومة" إن كانت المدفونة أنثى. أعتقد أنني وجدتها على كلّ شاهد قبر!

تَساوي الناس في المقبرة واضح جدّا؛ قبر نحو مترين طولًا ومتر واحد عمقًا ونحو المتر عرضًا، حجم القبر مقداره 2 متر مكعب، يزيد قليلًا أو ينقص قليلًا فيه دلالة بيّنة على أن الناس يتساوون في بداية الخلق في أرحام الأمهات وفي القبور، وإن كان في شكل ظاهري.

أَمّا بُيوتُكَ في الدُنيا فَواسِعَةٌ
فَلَيتَ قَبرَكَ بَعدَ المَوتِ يَتَّسِعُ
وَلَيتَ ما جَمَعَت كَفّاكَ مِن نَشبٍ
يُنجيكَ مِن هَولِ ما إِن أَنتَ مُطَّلِعُ

قبر صغير الحجم يفصل بين الحياة والموت؛ فوقه أناس يمشون ويتحدثون وتحته أناس عفى الزمنُ على رفاتهم حتى لم يبق منهم إلا القليل. ومن القليل يتذكر الأحياء أشكال من في القبور وأحاديثهم وروائحهم وأخلاقهم. لو جلست منفردًا وفكرت في أحوال المقابر لوجدتها غريبة جدًّا؛ فيها الكبار والصغار، الذكور والإناث، الضعفاء ومن كانوا في عنفوان الشباب، الغني والفقير، العالم والجاهل وفيها من اكتفى بالقليل ومن - وهمًا - لم يكفه الكثير!

يحكى أنه لما انطلق ذو القرنين يسير في البلاد مر بشيخ يقلب جماجمَ الموتى، فوقف عليه بجنوده، فقال، له أخبرني أيها الشيخ لأيّ شيء تقلب هذه الجماجم؟ قال: لأعرفَ الشريفَ من الوضيع، والغنيَّ من الفقير، فما عرفت، وإنّي لأقلبها منذ عشرينَ سنة، فانطلق ذو القرنين وتركه، وقال: ما عنيتَ بهذا أحدًا غيري.

إذن هي التقوى! أما في القبر فيتسَاوى الناس كلهم، وأنا وأنتم منهم في حاجة إلى رحمة الله سبحانه وتعالى. رحمتك يا رب نحتاجها يوم نَفدُ عليكَ ونسكن تلك الحفرة الضيقة التي لا يُوسعها إلا صَفحك وغفرانك {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}.

يذكر في كتب التاريخ أن الإمام علي عليه السلام كان عائدًا من صفين فأشرف على القبور بظاهر الكوفة فقال لهم كلامًا منه: "يا أهل الديارِ الموحشة والمحالِّ المقفرة، والقبورِ المظلمة. يا أهلَ التربة. يا أهلَ الغربة، يا أهلَ الوحدة يا أهل الوحشة أنتم لنا فرط سابق ونحن لكم تبع لاحق. أما الدورُ فقد سكنت. وأما الأزواجُ فقد نكحت. وأما الأموالُ فقد قسمت. هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما لو أُذن لهم في الكلام لأَخبروكم أن خير الزادِ التقوى".