أيقونة التجديد!

وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها تلك مشاعر النّدم التي ترافق معظم النّاس إن لم يكن جميع النّاس وإن اختلفتْ أشكال النّدم عندهم.
وقبل أن أطرحَ أيّ فكرة بهذا الصدد سوف يتردد صدى أصواتكم في فضائي وأنا أسمعكم ترددون التّأوه والألم جرّاء شعوركم بنوع من أنواع النّدم أو ربّما أكثر.
النّدم هو شعور داخلي يهدف إلى جلد الذّات وتعذيبها دون تقديم أي مبرر لها أو دون الالتفات لإنجازاتها ومكافأتها على وصولها لبر الأمان في رحلتها المُثقلة بالمشقّة.
وفي واقع الأمر ومن وجهة نظري أن الشخص النادم هو أيقونة للتجدد والتّحديث لأنّه خرج من شرنقة أتعبت كاهله بعد تحدّيات متعددة حتى وصل لهذا المستوى من الإبداعات التي لاحت في طريقه.
يتعامل الشخص السويّ مع الندم مثل طبيب يعالج النّور بالنور، يصقل نفسه بنفسه حتى لا يبقى للصدإ أثر يُذكر.
يقول أستاذ الفلسفة جوردون مارينو: "إن النّدم العميق يعني الحياة من جديد"، أما هنري ديفيد ثورو فيقول: "استغل ندمك إلى أقصى حدّ؛ لا تخنق حزنك أبدًا، بل اعتنِ به واعتزّ به حتى يصبح له اهتمام منفصل ومتكامل"، وبطبيعة الحال كلّنا آسِفُون ونادمون على السّاعَاتِ والثّوانِي التي وهبْنَاهَا للنّاسِ الخطإ فِي حَياتِنا غير أننا لا يمكن أن نحجب أنظارنا عن التّأثير الإيجابي الذي أحدثته في حياتنا فلكلّ تعثّر درسه المفيد، ينشر لواء الحكمة في أرواحنا، وكلّ تجرُّع مرارة ألم لحظة إدراك ينفذ من خلالها نور يسطع في عقولنا لنميّز المواقف خيرها من شرّها.
والثّابت في الأمر أنّ قصص الندم والأسى كثيرة ومنبعها الأساسي تغليب العواطف وإقصاء صوت العقل، بل إن بعضهم يقول لقد لُدغتُ ألف مرة من الجحر ذاته. ومن منظور اجتماعيّ فالندم هو الإرث الطبيعي للتقدم في السن، فكلّما كبُر الإنسان سنّا زاد جلده لنفسه وتأنيبه لها فأصبح يحسب ويعدّ فرص الحياة التي أغفلها، وغدا يمقت الماضي ويخاف الغد. بينما النّدم على ما فات هو إحدى إشارات النّجاح لاسيما إذا استطاع الإنسان أن يُدير دفّة سيره نحو الطريق السليم ولم يعد لتلك الطرق المحفوفة بمشاعر النّدم.
أما من جهة المنظور الدينيّ فيعدّ النّدم على الذنب من أسمى وأعظم مراتب النّدم
ومهما كان حجم الآلام التي تتدفق من أفواه النادمين على معصية الله فلن تصل لشعور الراحة والاسترخاء الذي يعقب لقاءهم بالله تعالى على بساط التّوبة وفي تعريف التّوبة من الذنب عند أمير المؤمنين يقول عليه السلام: التّوبة هي اسم يقع على ستة معانٍ: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، وردّ المظالم، وإذابة النفس في الطاعة كما أذبتها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كلّ ضحك ضحكته.
وبذلك تكون التوبة من الذنب هي عنوان المستقبل، وتهميش لأصوات الماضي ورفض العودة له مُجددًا.



