تائهٌ تأخذني الذكريات بحثًا عن الخبز!

اقتربتْ أجمل ثلاثين ليلة، شهر رمضان المبارك، ربّ يشفي كل مريض ويرجع كل مسافر ويُغني كل فقير ويفرح كل محزون.
هل تلحظ معي -القارئ الكريم أو القارئة الكريمة- اشتياق الناس عندنا للثريد في شهر رمضان المبارك وتزاحمهم على الخبز العربي؟ أظنّ أن شعبية الخبز متفقٌ عليها في الدول الشرقية وعند عموم المسلمين في شهر رمضان المبارك.
صادف يوم السبت الموافق الثاني والعشرين من شهر شباط/ فبراير 2025م أن اشتهيت الخبز العربي، في لحظة كنت فيها في جزيرة تاروت؛ جزيرة أقصى الشرق من المملكة العربية السعودية. تحاشيًا للف والدوران وامتحان الذاكرة، تصفحت الشبكة العنكبوتية فجاءت لي بنبأ يقين عن خبّاز قريب.
انعطف يمينًا، انعطف يسارًا بعد مئة متر، وبعد دستة من الانعطافات وجدتُ نفسي داخل حيّ قديم، لم أزره منذ ما يربو على أربعين عامًا إلا مرة واحدة، قبل سنوات، كما أتذكر. كان هناك خباز، مات منذ مدة طويلة رحمه الله، فقلت من يدري لعلّ خبازًا آخر جاء! كانوا حوالي ستة أو أكثر أيام طفولتي، كلهم من الجيران رحمهم الله.
مررت بأحد الشبان فسألته إن كان يعرف خبازًا كما تقول الخارطة فاتضح أنه خطأ في الاتجاهات. سألته عن البيوتات القديمة: هل هذا بيت فلان؟ فلان لا يزال هنا؟ فلانة ماتت؟ أم لا تزال بين الأحياء؟ ألم تكن هذه مدرستنا الابتدائية؟ الله ما فعلت بهم الأيام؟!
لكي أختصر لكم المسافة الكتابية، كانت رحلة اكتشاف قصيرة وماتعة لقيمة الخبز الذي يعيش عليه مليارات من الناس وقدر ما يرى الإنسان من تعب في البحث عن الخبز! الله، كم يلاقي الإنسان من تعب وأمور كثيرة من أجل الخبز يشيب لها الرأس؟
الخبز طعام زكيّ محترم قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وآله-:
- خير طعامكم الخبز.
- اللهم بارك لنا في الخبز ولا تفرق بيننا وبينه، فلولا الخبز ما صمنا ولا صلينا ولا أدينا فرائض ربنا عز وجل.
- أكرموا الخبز فقيل: يا رسول الله وما إكرامه قال: إذا وضع لم ينتظر به غيره، وقال رسول الله -صلى الله عليه وآله-: ومن كرامته أن لا يوطأ ولا يقطع.
النهاية السعيدة: وجدت خبازًا، أحسبه من الجنسية البنغالية. اشتريت عدة أرغفة والحق يقال خبز جارنا، أيام زمان، أفضَل وأكبر وأرخص بكثير! أيام زمان جلّ طعامنا في إفطار شهر رمضان الثريد؛ الثريد على خبز جارنا الزكيّ برائحة نخيل الجزيرة وسعفها وطيبة أهلها:
ثَريدٌ كَأَنَّ السَمنَ في حَجَراتِهِ
نُجومُ الثُرَيّا أَو عُيونُ الضَياوِنِ
* يذكر كتاب لسان العرب في الجزء الثالث عشر، صفحة 262 النصّ التالي: "ضون: الضيون: السنور الذكر، وقيل: هو دويبة تشبهه، نادر خرج على الأصل كما قالوا رجاء ابن حيوة، وضيون أندر لأن ذلك جنس وهذا علم، والعلم يجوز فيه ما لا يجوز في غيره، والجمع الضياون".



