«متلازمة زيادة الأكل في رمضان»

رمضان ليس شهر راحة وكسل وتقاعس، وإنما شهر نشاط وفاعليّة واجتهاد في عمل الخير. وما تعوّده بعض الناس من كون هذا الشهر شهر راحة وكسل، ما هو الّا غفلة عن حقيقة هذا الشهر الكريم.
نظرة واحدة إلى شكل أيامنا في هذا الشهر الفضيل. تشير إلى أن معظمنا يقضي اليوم بين العمل والنوم والأكل والتواصل والتسلية ولقاءات الأصحاب، ولكن كم منا يفسح في يومه وقتًا «للروح »، سيقول بعضكم إننا نتوجه إلى إحياء هذا الشهر الكريم بالعبادة، هذا رائع ولكن هل نقوم بأداء العبادة بشوق وتفاعل وإخلاص، تراهم يذهبون بتململ، متثاقلين على غير رغبة، فقد تحدّث القرآن الكريم عن حالة البعض ممن يقيم فريضة الصلاة، وممارسة الإنفاق بكسل وتثاقل يقول تعالى:{وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: 54]. ونقرأ في أدعية رمضان المبارك «وأذهبْ عني فيه النعاس والكسل والسآمة والفترة» التهذيب، ج3، ص 112. وعندما يذكرها الإمام زين العابدين عليه السلام فإنه ينبهنا إلى خطورة كل هذه العناوين، لأنها تُسهم في تعثر السالك وإعاقته، ويدعونا إلى الحذر منها، والمسارعة في معالجتها.
لماذا نكسل، ونضجر، ونسأم ولا نحمل لياقة المواصلة، ونتعثر في وسط الطريق إن لم يكن في بدايته؟ قد تكون لدينا الرغبة الجازمة في القربى من الله، إلا أننا قد نقع فريسة الكسل والضجر، وضعف الثقة، ومعوقات تحول بيننا وبين ما نبتغيه؛ فنستسلم لها، ونُسلي أنفسنا بالأماني والتسويف، فثمة فرق بين الرغبة والإرادة.
هناك واقع لا بد أن يؤخذ بعين الاعتبار، ألا وهو التحول الذي طرأ على حياتنا اليومية. مرده إلى تلك العادات الرمضانية والتغيرات العصرية التي طغت على مجريات حياتنا الإجتماعية، وكأن شهر رمضان هو شهر الطعام والشراب والأطباق الرمضانية، هذا ما يفعله الكثير من الناس أو البعض من محبي الأكل. هم يأكلون ويأكلون كميات كبيرة ولا يتوقفون. حتى تحول الشهر المبارك من شهر عبادة وتقرب إلى الله إلى مجرد مناسبة استهلاكية. وهنا ينبغي لنا أن نتوقف لحظة ونحن نعيش في رحاب هذا الشهر الكريم كي نبثّ ثقافة وعي غذائي صحي. وأفضل نظام غذائي متزن هو الذي يكفل للصائم الإنتاجية أو مقدرته على العمل والعبادة، ولا تتحقق تلك المنفعة الجسمية والروحية من الصيام إن حاول الصائم أن يملأ معدته بالطعام ساعة الإفطار، كمن ينتقم من نفسه لبقائه ساعات دون طعام وشراب. لو تأملنا حالنا اليوم مقارنة بما كان عليه الآباء والأجداد، كيف كان الناس يعيشون هذا الشهر الكريم مع قلة الموارد المادية، يكدحون خلال النهار بجد ونشاط، يقيمون الليل شاكرين لله، ولو تأملنا في المقابل صيامنا في الوقت الحاضر، لوجدنا كثيرًا من الأخطاء الغذائية والصحية والنفسية، فالكسل والخمول هما من سمات نهار كثير من الصائمين، والسهر وتضييع الأوقات والأكل والشرب من سمات ليلهم الطويل، فنجد أن كثيرًا من الناس تزداد أوزانهم خلال هذا الشهر الفضيل، حيث يلتهم الصائم ضعف الكمية التي يتناولها خلال شهور السنة الأخرى، وذلك لتعويض ما فاته خلال النهار، فالأكل فوق الشبع مضر بالجسم والعقل والروح، ويجعل الإنسان متعبًا وخاملًا، فيبعده ذلك عن التفكر والتدبر، بينما الاعتدال في الأكل يجعل الصائم يشعر بالخفة والنشاط، كما يعتبر الاعتدال من شروط التأمل والخلوة مع الذات الحقيقية والاتصال بالله عز وجل، وهذا يساعد على شفافية القلب والحس والشعور بطعم الحياة ألذ وأطيب.. فمن كثر أكله لم يجد لذكر الله حلاوة! قال لقمان الحكيم لولده: «يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة» (بحار الأنوار، ج79، ص35). وقد ارتبط الإفراط أو التفريط في كل من غذاء الروح وغذاء الجسم للنفس البشرية بالحالة المرضية أو على الأقل بالنفس غير المطمئنة. فكثرة الأكل تتيح للشيطان فرصة اللعب بالخيال والشرود به هنا وهناك.
داء الكسل، ما الذي يدعونا إلى الابتلاء به، وما طرق الابتعاد عنه؟ الكسل وحب النوم وهما عدوان لدودان يحاولان دائما أن يطرحا المؤمن في هذا الشهر ويمنعاه من تكامله وتوازنه وطمأنينته. ما نراه في الواقع يعبّر ويحكي شيئًا من ذلك، فبعض الصائمين غالبًا ما تظهر عليهم علامات الإرهاق والإعياء وفتور الهمة والرغبة الملحة في النوم والإكثار منه، حين لا يأخذ الجسم كفايته من الراحة نتيجة اختلال توازن دورة الحياة، لقد تحول رمضان بفعل العادة إلى وقت مستقطع تمارس فيه ألوان الكسل النهاري والبيات الصباحي الذي ربما امتد إلى أذان المغرب. حينما يحل رمضان كل عام تحاصرنا العناوين نفسها: انتشار وباء الخمول وما يصاحب هذه «المتلازمة» من سوء تعامل وريح لا تسر، وحديث لا ينتهي أو يتوقف عن الشره المسائي وما تحمله رياح الأطباق الرمضانية من نواقيس خطر على الشرايين التاجية والغضاريف المتآكلة، وبالطبع هناك محور مهم، هناك الساعة البيولوجية التي تتحطم بصورة سريالية، تشبه لوحات الفنان المجنون سلفادور دالي!
هل «متلازمة رمضان» هذه الأيام بحاجة إلى تسجيل علمي وتوثيق أكاديمي؟! أظن أن الإجابة نعم، والدليل ذلك الإرهاق والتعب من الإجهاد المرضي الذي يعيشه ملايين المتعرضين لخطورة هذه المتلازمة بعد انقضاء الشهر، فهذا طريح القولون، وذاك لا يستطيع أن يمارس جهده المتواضع أصلًا، وتلك سيدة تحتاج إلى أسابيع حتى تعود إلى توازنها المفقود.
«متلازمة رمضان» نصنعها نحن بأيدينا خلافًا للأمراض والمتلازمات المعروفة والمشهورة، نحن هنا لا الموروثات أو الكروموسومات «أبطال» هذا المرض و«ضحاياه»، ولا أدري لماذا أشعر بأننا بمرور الزمن نحفر أخدودًا عميقًا يكرس لتلك «اللعبكة» الحياتية حتى أصبح من أبرز سمات هذه المتلازمة بتلك النزلات الحادة من الذهول والتعب المؤديين حتمًا إلى الكسل وسوء الخلق وقلة الإنتاجية تمامًا كما لا يراد لهذا الشهر أن يكون. وهذه المتلازمة أيضًا معروفة ولها شروطها للتشخيص ومن ضمن الأمراض المصنفة عالميًا ضمن أمراض الكسل والخمول وعلاجها سلوكي أي بتغيير سلوك الإنسان تجاه الطعام.
رمضان أتى ليرتفع المسلم إلى آفاق التقوى والتطهر وحسن الخلق والتخلص من سيئات العصر، فإذا بنا نحيله إلى مسافة زمنية ملاصقة لحضيض الشهوة والمادية وسوء استخدام نِعَمْ الله سبحانه وتعالى، وتحويل المناسبة إلى شيء لا يمت إلى أصلها أو حقيقتها بصلة.
نحن بحاجة فعلية إلى نفس طويل وخطة محكمة للتوعية بأضرار هذا المرض الاجتماعي القاتل لنشوة المناسبة وفضيلة الشعيرة. نحن بحاجة إلى وسيلة مهمة لتصحيح المفاهيم الخاطئة والعادات الغذائية المدمرة التي أصبحت سمة رمضانية وطبقًا مغريًا لزيادة حجم الـ «Syndrome» المخيف، وعشمي أن نجد فيها البديل الصحي والعلمي لعادات غذائية ووصفات صحية تجعل من هذا الشهر فرصة لا تعوض لكسب عادات إيجابية تعود على جسد الصائم بالنفع، كما تعود على روحه بالسلام والأمن والتقوى، نعم نقدم البديل في هذا الشهر لنحيل هذه المناسبة لفرصة هائلة لكسب هذا الشهر الفضيل والعيش في ظلاله الوافرة، وحينها فقط سيتوارى شبح «متلازمة رمضان» ويختفي عن موائدنا وولائمنا المتخمة ديناميت قابل للانفجار في أي جسد أو شريان!
منصور الصلبوخ - أختصاصي تغذية وملوثات.



